﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّهَا * وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَهَا * وَالسَّمَآءِ وَمَا بَنَهَا * وَالَاْرْضِ وَمَا طَحَهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّهَا﴾ .
البسملة تقدم الكلام عليها.
﴿والشمس وضحاها﴾ أقسم الله تعالى بالشمس وضحاها وهو ضؤها لما في ذلك من الآيات العظيمة الدالة على كمال قدرة الله ﷾، وكمال علمه ورحمته. فإن في هذه الشمس من الآيات ما لا يدركه بعض الناس، فإذا طلعت الشمس فكم توفر على العالم من طاقة كهربائية؟ توفر آلاف الملايين، لأنهم يستغنون بها عن هذه الطاقة، وكم يحصل للأرض من حرارتها، من نضج الثمار، وطيب الأشجار، ما لا يعلمه إلا الله ﷿، ويحصل فيها فوائد كثيرة لا أستطيع أن أعدها؛ لأن غالبها يتعلق في علم الفلك وعلم الأرض والجيولوجيا لكنها من آيات الله العظيمة.
﴿والقمر إذا تلاها﴾ . قيل: إذا تلاها في السير.
وقيل: إذا تلاها في الإضاءة، ومادامت الآية تحتمل هذا وهذا فإن القاعدة في علم التفسير أن الآية إذا احتملت معنيين لا تعارض
[ ٢٢٠ ]
بينهما وجب الأخذ بهما جميعًا، لأن الأخذ بالمعنيين جميعًا أوسع للمعنى. فنقول: إذا تلاها في السير؛ لأن القمر يتأخر كل يوم عن الشمس، فبينما تجده في أول الشهر قريبًا منها في المغرب، إذا هو في نصف الشهر أبعد ما يكون عنها في المشرق، لأنه يتأخر كل يوم. أو إذا تلاها في الإضاءة، لأنها إذا غابت بدأ ضوء القمر لاسيما في الربع الثاني إلى نهاية الربع الثالث فإن ضوء القمر يكون بينًا واضحًا. يعني: إذا مضى سبعة أيام إلى أن يبقى سبعة أيام يكون الضوء قويًّا، وأما في السبعة الأولى والأخيرة فهو ضعيف، وعلى كل حال فإن إضاءة القمر لا تكون إلا بعد ذهاب ضوء الشمس كما هو ظاهر. فأقسم الله تعالى بالشمس لأنها آية النهار، وبالقمر لأنه آية الليل. ﴿والنهار إذا جلاها. والليل إذا يغشاها﴾ متقابلات، ﴿والنهار إذا جلاها﴾ إذا جلى الأرض وبينها ووضحها؛ لأنه نهار تتبين به الأشياء وتتضح ﴿والليل إذا يغشاها﴾ إذ يغطي الأرض حتى يكون كالعباءة المفروشة على شيء من الأشياء، وهذا يتضح جليًا فيما إذا غابت الشمس وأنت في الطائرة تجد أن الأرض سوداء تحتك، لأنك أنت الآن تشاهد الشمس لارتفاعك، لكن الأرض التي تحتك حيث غربت عليها الشمس تجدها سوداء كأنها مغطاة بعباءة سوداء وهذا معنى قوله: ﴿والليل إذا يغشاها﴾ . ﴿والسماء وما بناها. والأرض ﴾ السماء والأرض متقابلات. ﴿والسماء وما بناها﴾ قال المفسرون: إن ﴿ما﴾ هنا مصدرية أي: والسماء وبنائها؛ لأن السماء عظيمة بارتفاعها وسعتها وقوتها، وغير ذلك مما هو من آيات الله فيها، وكذلك بناؤها بناء محكم، كما قال ﵎: ﴿ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور.
ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئًا وهو
[ ٢٢١ ]
حسير﴾ . [الملك: ٣، ٤] . ﴿والأرض وما طحاها﴾ يعني: الأرض وما سواها حتى كانت مستوية، وحتى كانت ليست لينة جدًا، وليست قوية صلبة جدًا، بل هي مناسبة للخلق على حسب ما تقوم به حوائجهم، وهذا من نعمة الله ﷾ على عباده أن سوى لهم الأرض وجعلها بين اللين والخشونة إلا في مواضع لكن هذا القليل لا يحكم به على الكثير. ﴿ونفس وما سواها﴾ نفس هنا وإن كانت واحدة لكن المراد العموم. يعني كل نفس ﴿وما سواها﴾ يعني سواها خِلقة وسواها فطرة، سواها خلقة حيث خلق كل شيء على الوجه الذي يناسبه ويناسب حاله. قال الله تعالى: ﴿الذي أعطى كل شيء خلقه﴾ أي خلقه المناسب له ﴿ثم هدى﴾ [طه: ٥٠] . أي: هداه لمصالحه، وكذلك سواه فطرة ولا سيما البشر فإن الله جعل فطرتهم هي الإخلاص والتوحيد كما قال تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ . [الروم: ٣٠] . ﴿فألهمها﴾ أي الله ﷿ ألهم هذه النفوس ﴿فجورها وتقواها﴾ بدأ بالفجور قبل التقوى مع أن التقوى لا شك أفضل، قالوا: مراعاة لفواصل الآيات. ﴿فجورها وتقواها﴾ الفجور هو ما يقابل التقوى، والتقوى طاعة الله، فالفجور معصية الله، فكل عاص فهو فاجر. وإن كان الفاجر خصَّ عرفًا بأنه من ليس بعفيف، لكن هو شرعًا يعم كل من خرج عن طاعة الله كما قال تعالى: ﴿كلا إن كتاب الفجار لفي سجين﴾ [المطففين: ٧] . والمراد الكفار. وإلهامها تقواها هو الموافق للفطرة؛ لأن الفجور خارج عن الفطرة، لكن قد يلهمه الله بعض النفوس لانحرافها لقوله تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ [الصف: ٥] . والله تعالى لا يظلم أحدًا، لكن من علم منه أنه لا يريد الحق أزاغ الله قلبه.
﴿قد أفلح من زكاها﴾ ﴿قد أفلح﴾ أي: فاز بالمطلوب
[ ٢٢٢ ]
ونجا من المرهوب، ﴿من زكاها﴾ أي: من زكى نفسه، وليس المراد بالتزكية هنا التزكية المنهي عنها في قوله: ﴿فلا تزكوا أنفسكم﴾ [النجم: ٣٢] . المراد بالتزكية هنا: أن يزكي نفسه بإخلاصها من الشرك وشوائب المعاصي، حتى تبقى زكية طاهرة نقية. ﴿وقد خاب من دساها﴾ أي من أرداها في المهالك والمعاصي، وهذا يحتاج إلى دعاء الله ﷾ أن يثبت الآنسان على طاعته، وعلى القول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. فعليك دائمًا أن تسأل الله الثبات والعلم النافع، والعمل الصالح فإن الله تعالى قال: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾ . [البقرة: ١٨٦] .
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ * إِذِ انبَعَثَ أَشْقَهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلَا يَخَافُ عُقْبَهَا﴾ .
﴿كذبت ثمود بطغواها﴾ ﴿كذبت ثمود﴾ ثمود اسم قبيلة ونبيهم صالح ﵊، وديارهم في الحجر معروفة في طريق الناس، هؤلاء كذبوا نبيهم صالًحا. ونبيهم صالح ﵊ كغيره من الآنبياء يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له. كما قال الله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الآنبياء: ٢٥] . دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأعطاه الله سبحانه آية تدل على نبوته وهي الناقة العظيمة التي تشرب من البئر يومًا وتسقيهم لبنًا في اليوم الثاني. وقد قال بعض
[ ٢٢٣ ]
العلماء: إنه كلما جاء إنسان وأعطاها من الماء بقدر أعطته من اللبن بقدره، ولكن الذي يظهر من القرآن خلاف ذلك. لقوله تعالى: ﴿لها شرب ولكم شرب يوم معلوم﴾ [الشعراء: ١٥٥] . فالناقة تشرب من البئر يومًا، ثم تدر اللبن في اليوم الثاني، ولكن لم تنفعهم هذه الآية: ﴿كذبت ثمود بطغواها﴾ أي بطغيانها وعتوها، والباء هنا للسببية، أي: بسبب كونها طاغية كذبت الرسول. ﴿إذ انبعث أشقاها﴾ هذا بيان للطغيان الذي ذكره الله ﷿ وذلك حين انبعث أشقاها. و﴿انبعث﴾ يعني: انطلق بسرعة. ﴿أشقاها﴾ أي أشقى ثمود أي: أعلاهم في الشقاء - والعياذ بالله - يريد أن يقضي على هذه الناقة. فقال لهم رسولهم صالح ﵊: ﴿ناقة الله وسقياها﴾ أي ذروا ناقة الله، لقوله تعالى في آية أخرى: ﴿فذروها تأكل في أرض الله﴾ [الأعراف: ٧٣] . يعني اتركوا الناقة لا تقتلوها ولا تتعرضوا لها بسوء ولكن كانت النتيجة بالعكس. ﴿فكذبوه﴾ أي: كذبوا صالحًا وقالوا: إنك لست برسول، وهكذا كل الرسل الذين أرسلوا إلى أقوامهم يصمهم أقوامهم بالعيب. كما قال الله تعالى: ﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون﴾ . [الذاريات: ٥٢] .
كل الرسل قيل لهم هذا ساحر أو مجنون، كما قيل للرسول ﵊: إنه ساحر، كذاب، مجنون، شاعر، كاهن، ولكن ألقاب السوء التي يلقبها الأعداء لأولياء الله لا تضرهم، بل يزدادون بذلك رفعة عند الله ﷾، وإذا احتسبوا الأجر أثيبوا على ذلك. فيقول ﷿: ﴿فعقروها﴾ أي: فذبحوا الناقة عقرًا حصل به الهلاك. ﴿فدمدم عليهم ربهم﴾ يعني: أطبق عليهم فأهلكهم كما تقول: دمدمت البئر: أي أطبقت عليها التراب. ﴿بذنبهم﴾ أي: بسبب ذنوبهم؛ لأن الله ﷾ لا
[ ٢٢٤ ]
يظلم الناس شيئًا ولكن الناس أنفسهم يظلمون، فالذنوب سبب للهلاك والدمار والفساد لقول الله ﵎: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾ [الروم: ٤١] . وقال تعالى: ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرًا﴾ . [الإسراء: ١٦] . وقال الله تعالى يخاطب أشرف الخلق وخير القرون: ﴿أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم﴾ . [آل عمران: ١٦٥] . فالآنسان يصاب بالمصائب من عند نفسه، ولهذا قال: ﴿فدمدم عليهم ربهم بذنبهم﴾ أي: بسبب ذنبهم. ﴿فسواها﴾ أي: عمها بالهلاك حتى لم يبق منهم أحد وأصبحوا في ديارهم جاثمين. ﴿ولا يخاف عقباها﴾ يعني: أن الله لا يخاف من عاقبة هؤلاء الذين عذبهم، ولا يخاف من تبعتهم، لأن له الملك وبيده كل شيء، بخلاف غيره من الملوك لو انتصروا على غيرهم، أو عاقبوا غيرهم تجدهم في خوف يخشون أن تكون الكرة عليهم. أما الله ﷿ فإنه لا يخاف عقباها. أي: لا يخاف عاقبة من عذبهم، لأنه ﷾ له الملك كله، والحمد كله، فسبحانه وتعالى ما أعظمه، وما أجل سلطانه.
[ ٢٢٥ ]