﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الَاْكْرَمُ * الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ .
البسملة تقدم الكلام عليها.
﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم﴾ هذه الآيات أول ما نزل على الرسول ﵊ من القرآن الكريم (^١)، نزلت عليه وهو يتعبد في غار حراء وكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أول ما بدء بالوحي أنه يرى الرؤيا في المنام، فتأتي مثل فلق الصبح (^٢) يعني يحدث ما يصدق هذه الرؤيا، وأول ما كان يرى هذه الرؤيا في ربيع الأول فبقي ستة أشهر يرى مثل هذه الرؤيا ويراها تجيء مثل فلق الصبح، وفي رمضان نزل الوحي الذي في اليقظة، والمدة بين ربيع الأول ورمضان ستة شهور، وزمن الوحي ثلاث وعشرون سنة، ولهذا جاء في الحديث «أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (^٣)،
لما كان يرى هذه الرؤيا التي
_________________
(١) أخرجه البخاري كتاب بدء الوحي باب (٣) كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وكتاب التعبير باب أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي (٦٩٨٢) ومسلم كتاب الإيمان باب بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ (١٦٠) (٢٥٢) .
(٢) أخرجه البخاري كتاب كتاب بدء الوحي باب كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ (٢) ومسلم كتاب الإيمان باب بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ (١٦٠) (٢٥٤) .
(٣) أخرجه البخاري كتاب التعبير باب رؤيا الصالحين (٦٩٨٣) ومسلم كتاب الرؤيا باب كون الرؤيا من الله وانها جزء من النبوة (٢٢٦١) (١) ..
[ ٢٥٥ ]
تجيء مثل فلق الصبح حُبب إليه الخلاء، يعني أن يخلو بنفسه ويبتعد عن هذا المجتمع الجاهلي، فرأى ﵊ أن أحسن ما يخلو به هذا الغار الذي في جبل حراء وهو غار في قمة الجبل لا يكاد يصعد إليه الإنسان القوي إلا بمشقة، فكان يصعده ﵊ ويتحنث، يتعبد لله ﷿ بما فتح الله عليه في هذا الغار الليالي ذوات العدد، يعني عدة ليال، ومعه زاد أخذه يتزود به من طعام وشراب، ثم ينزل ويتزود لمثلها من أهله، ويرجع ويتحنث لله ﷿، إلى أن نزل عليه الوحي وهو في هذا الغار، أتاه جبريل وأمره أن يقرأ فقال: «ما أنا بقارىء» ومعنى «ما أنا بقارىء» يعني لست من ذوي القراءة، وليس مراده المعصية لأمر جبريل، لكنه لا يستطيع، ليس من ذوي القراءة، إذ أنه ﷺ كان أميًّا كما قال الله تعالى: ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي﴾ [الأعراف: ٥٨] . وقال تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم﴾ [الجمعة: ٢] . فكان لا يقرأ ولا يكتب، وهذا من حكمة الله أنه لا يقرأ ولا يكتب، حتى تتبين حاجته وضرورته إلى هذه الرسالة، وحتى لا يبقى لشاك شك في صدقه، وقد أشار الله إلى هذه في قوله: ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذًا لارتاب المبطلون﴾ [العنكبوت: ٤٨] . قال له: «ما أنا بقارىء» فغطه مرتين أو ثلاثًا، ثم قال له ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم.
علم الإنسان ما لم يعلم﴾ خمس آيات نزلت فرجع بها النبي ﷺ يرجف فؤاده من الخوف والفزع حتى أتى إلى خديجة، وحديث الوحي وابتداءه موجود في أول صحيح البخاري (^١) من أحب
_________________
(١) تقدم تخريجه أول السورة
[ ٢٥٦ ]
أن يرجع إليه فليرجع يقول الله ﷿: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ قوله: ﴿باسم ربك﴾ قيل معناه متلبسًا بذلك، وقيل مستعينًا بذلك، يعني اقرأ مستعينًا باسم الله؛ لأن أسماء الله تعالى كلها خير، وكلها إعانة يستعين بها الإنسان، ويستعين بها على وضوئه، ويستعين بها على أكله، ويستعين بها على جماعه فهي كلها عون، وقال: ﴿باسم ربك﴾ دون أن يقول باسم الله لأن المقام مقام ربوبية وتصرف وتدبير للأمور وابتداء رسالة فلهذا قال: ﴿باسم ربك﴾ إلا أنه ﵊ قد رباه الله تعالى تربية خاصة ورباه كذلك ربوبية خاصة. ﴿الذي خلق﴾ أي خلق كل شيء كما قال تعالى: ﴿وخلق كل شيء فقدره تقديرًا﴾ [الفرقان: ٢] . وقال تعالى: ﴿الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل﴾ [الزمر: ٦٢] . فما من شيء في السماء ولا في الأرض، من خفي وظاهر، وصغير وكبير إلا وهو مخلوق لله ﷿ ولهذا قال: ﴿خلق﴾ وحذف المفعول إشارة للعموم؛ لأن حذف المفعول يفيد العموم، إذ لو ذكر المفعول لتقيد الفعل به، لو قال خلق كذا تقيد الخلق بما ذكر فقط، لكن إذا قال ﴿خلق﴾ وأطلق صار عامًّا فهو خالق كل شيء جل وعلا. ثم قال: ﴿خلق الإنسان من علق﴾ خص الله تعالى خلق الإنسان تكريمًا للإنسان وتشريفًا له؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] .
فلهذا نص على خلق الإنسان ﴿خلق الإنسان﴾ أي ابتدأ خلقه ﴿من علق﴾ جمع، أو اسم جمع علقة، كشجر اسم جمع شجرة، والعلق عبارة عن دودة حمراء من الدم صغيرة وهذا هو المنشأ الذي به الحياة؛ لأن الإنسان دم لو تفرغ من الدم لهلك.
[ ٢٥٧ ]
وقد بين الله ﷿ أنه خلق الإنسان من علق، ولكنه يتطور، وبين في آيات أخرى أنه خلق الإنسان من تراب، وفي آيات أخرى خلقه من طين، وفي آيات أخرى من صلصال كالفخار، وفي آيات أخرى من ماء دافق، وفي آيات أخرى من ماء مهين، وفي هذه الآية من علق فهل في هذا تناقض؟
الجواب: ليس هناك تناقض، ولا يمكن أن يكون في كلام الله تعالى، أو ما صح عن رسوله ﷺ شيء من التناقض أبدًا، فإن الله يقول: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا﴾ [النساء: ٨٢] . لكنه ﷾ يذكر أحيانًا مبدأ الخلق من وجه، ومبدأ الخلق من وجه آخر، فخلقه من تراب؛ لأن أول ما خلق الإنسان من التراب ثم صب عليه الماء فكان طينًا ثم استمر مدة فكان حمئًا مسنونًا، ثم طالت مدته فكان صلصالًا، يعني إذا ضربته بيدك تسمع له صلصلة كالفخار، ثم خلقه ﷿ لحمًا، وعظمًا، وعصبًا إلى آخره، هذا ابتداء الخلق المتعلق بآدم. والخلق الآخر من بنيه أول منشئهم من نطفة، وهي الماء المهين وهي الماء الدافق، هذه النطفة تبقى في الرحم أربعين يومًا، ثم تتحول شيئًا فشيئًا وبتمام الأربعين تتقلب بالتطور والتدريج حتى تكون دمًا علقة، ثم تبدأ بالنمو والثخونة وتتطور شيئًا فشيئًا، فإذا تمت ثمانين يومًا انتقلت إلى مضغة - قطعة من لحم بقدر ما يمضغه الإنسان - وتبقى كذلك أربعين يومًا فهذه مائة وعشرون يومًا، وهي بالأشهر أربعة أشهر، بعد أربعة أشهر يبعث الله إليه الملك الموكل بالأرحام، فينفخ فيه الروح، فتدخل الروح في الجسد بإذن الله ﷿، والروح لا نستطيع أن نعرف كنهها وحقيقتها ومادتها، أما الجسد فأصله من التراب، ثم في أرحام النساء من النطفة، لكن الروح
[ ٢٥٨ ]
لا نعرف من أي جوهر هي؟ ولا من أي مادة ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] .
فينفخ الملك الروح في هذا الجنين فيبدأ يتحرك، لأن نماءه الأول كنماء الأشجار بدون إحساس، بعد أن تنفخ فيه الروح يكون آدميًا يتحرك، ولهذا إذا سقط الحمل من البطن قبل أربعة أشهر دفن في أي مكان من الأرض، بدون تغسيل، ولا تكفين، ولا صلاة عليه، ولا يبعث؛ لأنه ليس آدميًّا، وبعد أربعة أشهر إذا سقط يجب أن يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن في المقابر؛ لأنه صار إنسانًا، ويسمى أيضًا؛ لأنه يوم القيامة سيدعى باسمه، ويعق عنه، لكن العقيقة عنه ليست في التأكيد كالعقيقة عمن بلغ سبعة أيام بعد خروجه، على كل حال هذا الجنين في بطن أمه يتطور حتى يكون بشرًا، ثم يأذن الله ﷿ له بعد المدة التي أكثر ما تكون عادة تسعة أشهر فيخرج إلى الدنيا.
وبهذه المناسبة أبين أن للإنسان أربع دور:
الدار الأولى: في بطن أمه.
الدار الثانية: في الدنيا.
الدار الثالثة: في البرزخ.
الدار الرابعة: في الجنة أو النار وهي المنتهى.
﴿اقرأ وربك الأكرم﴾ ﴿اقرأ﴾ تكرار للأولى لكن هل هي توكيد أو هي تأسيس؟ الصحيح أنها تأسيس وأن الأولى ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ قرنت بما يتعلق بالربوبية، و﴿اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم﴾ قرنت بما يتعلق بالشرع، فالأولى بما يتعلق بالقدر، والثانية بما يتعلق بالشرع، لأن التعليم بالقلم أكثر ما يعتمد الشرع عليه، إذ أن الشرع يكتب ويحفظ، والقرآن يكتب ويحفظ، والسنة
[ ٢٥٩ ]
تكتب وتحفظ، وكلام العلماء، يكتب ويحفظ، فلهذا أعادها الله مرة ثانية.
﴿كَلَاّ إِنَّ الإِنسَنَ لَيَطْغَى * أَن رَّءَاهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى * أَرَأَيْتَ الَّذِى يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَءَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَءَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى * كَلَاّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَاّ لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب﴾ .
قال الله تعالى: ﴿كلا إن الإنسان ليطغى﴾ ﴿كلا﴾ في القرآن الكريم ترد على عدة معاني منها: أن تكون بمعنى حقًّا كما في هذه الآية فـ ﴿كلا﴾ بمعنى حقًّا، يعني أن الله تعالى يثبت هذا إثباتًا لا مرية فيه ﴿إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى﴾ الإنسان هنا ليس شخصًا معينًا، بل المراد الجنس، كل إنسان من بني آدم إذا رأى نفسه استغنى فإنه يطغى، من الطغيان وهو مجاوزة الحد، إذا رأى أنه استغنى عن رحمة الله طغى ولم يبالِ، إذا رأى أنه استغنى عن الله ﷿ في كشف الكربات وحصول المطلوبات صار لا يلتفت إلى الله ولا يبالي، إذا رأى أنه استغنى بالصحة نسي المرض، وإذا رأى أنه استغنى بالشبع نسي الجوع، إذا رأى أنه استغنى بالكسوة نسي العري، وهكذا فالإنسان من طبيعته الطغيان والتمرد متى رأى نفسه في غنى، ولكن هذا يخرج منه المؤمن، لأن المؤمن لا يرى أنه استغنى عن الله طرفة عين، فهو دائمًا مفتقر إلى الله ﷾، يسأل ربه كل حاجة، ويلجأ إليه عند كل مكروه،
[ ٢٦٠ ]
ويرى أنه إن وكله الله إلى نفسه وكله إلى ضعف وعجز وعورة، وأنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضًّرا، هذا هو المؤمن، لكن الإنسان من حيث هو إنسان من طبيعته الطغيان، وهذا كقوله تعالى: ﴿وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] . ثم قال ﷿ مهددًا هذا الطاغية ﴿إن إلى ربك الرجعى﴾ أي المرجع يعني مهما طغيت وعلوت واستكبرت واستغنيت فإن مرجعك إلى الله ﷿، كما قال الله ﵎ ﴿إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر. إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم﴾ [الغاشية: ٢٣ - ٢٦] .
وإذا كان المرجع إلى الله في كل الأمور فإنه لا يمكن لأحد أن يفر من قضاء الله أبدًا، ولا من ثواب الله وعدله، وقوله: ﴿إن إلى ربك الرجعى﴾ ربما نقول إنه أعم من الوعيد والتهديد يعني أنه يشمل الوعيد والتهديد، ويشمل ما هو أعم فيكون المعنى أن إلى الله المرجع في كل شيء في الأمور الشرعية التحاكم إلى الكتاب والسنة ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ [النساء: ٥٩] . والأمور الكونية المرجع فيها إلى الله ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم﴾ [الأنفال: ٩] . فلا رجوع للعبد إلا إلى الله، كل الأمور ترجع إلى الله ﷿، يفعل ما يشاء، حتى ما يحصل بين الناس من الحروب والفتن والشرور فإن الله هو الذي قدرها، لكنه قدرها لحكمة كما قال الله تعالى: ﴿ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد﴾ [البقرة: ٢٥٣] . إذن ﴿إن إلى ربك الرجعى﴾ يكون فيها تهديد لهذا الإنسان الذي طغى حين رأى نفسه مستغنيًا عن ربه، وفيها أيضًا ما هو أشمل وأعم وهو أن المرجع إلى الله تعالى في كل الأمور. ثم قال: ﴿أرأيت الذي ينهى عبدًا
[ ٢٦١ ]
إذا صلى﴾ يعني أخبرني عن حال هذا الرجل وتعجب من حال هذا الرجل الذي ينهى عبدًا إذا صلى، ففي الآية ناهٍ ومنهي، فالناهي هو طاغية قريش أبو جهل، وكان يسمى في قريش أبا الحكم؛ لأنهم يتحاكمون إليه، ويرجعون إليه فاغتر بنفسه، وشرق بالإسلام ومات على الكفر كما هو معروف، هذا الرجل سماه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبا جهل (^١) ضد تسميتهم إياه أبا الحكم.
وأما المنهي فهو محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو العبد ﴿عبدًا إذا صلى﴾ أبو جهل قيل له: إن محمدًا يصلي عند الكعبة أمام الناس، يفتن الناس ويصدهم عن أصنامهم وآلهتهم، فمر به ذات يوم وهو ساجد فنهى النبي ﵊، وقال: لقد نهيتك فلماذا تفعل؟ فانتهره النبي ﵊ فرجع، ثم قيل لأبي جهل إنه أي محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم مازال يصلي فقال: والله لئن رأيته لأطأن عنقه بقدمي، ولأعفرن وجهه بالتراب، فلما رآه ذات يوم ساجدًا تحت الكعبة وأقبل عليه يريد أن يبر بيمينه وقسمه، لما أقبل عليه وجد بينه وبينه خندقًا من النار وأهوالًا عظيمة، فنكص على عقبيه وعجز أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (^٢)، هذا العبد الذي ينهى عبدًا إذا صلى يتعجب من حاله كيف يفعل هذا؟ ولهذا جاء في آخر الآيات ﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾ وأنه سيجازيه ثم قال: ﴿أرأيت إن كان على الهدى﴾ ﴿أرأيت﴾ يعني أخبرني أيها المخاطب إن كان هذا الساجد محمد ﷺ على الهدى فكيف تنهاه عنه. ﴿أو أمر بالتقوى﴾ قال
_________________
(١) أخرجه البخاري كتاب المغازي باب قتل أبي جهل (٣٩٦٢) ومسلم كتاب الجهاد باب قتل ابي جهل (١٨٠٠) (١٨) .
(٢) أخرجه مسلم كتاب صفات المنافقين باب قوله:) إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى* أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) (٢٧٩٧) (٣٨) .
[ ٢٦٢ ]
بعض المفسرين ﴿أو﴾ هنا بمعنى الواو يعني وأمر بالتقوى، ولكن الصحيح أنها على بابها للتنويع، يعني أرأيت إن كان على الهدى فيما فعل من السجود والصلاة، أو أمر غيره بالتقوى؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأمر بالتقوى بلا شك فهو صالح بنفسه مصلح لغيره.
﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾ يعني يرى المنهي وهو الساجد محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم الآمر بالتقوى ويرى هذا العبد الطاغية الذي ينهى عبدًا إذا صلى ﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾ يرى ﷾ علمًا ورؤية، فهو سبحانه يرى كل شيء مهما خفي ودق، ويعلم كل شيء مهما بعد، ومهما كثر أو قل، فيعلم الآمر والناهي ويعلم المصلي والساجد، ويعلم من طغى، ومن خضع لله ﷿، وسيجازي كل إنسان بعمله، والمقصود من هذا تهديد الذي ينهى عبدًا إذا صلى، وبيان أن الله تعالى يعلم بحاله، وحال من ينهاه، وسيجازي كلًاّ منهما بما يستحق. فهذا تهديد لهذا الرجل الذي كان ينهى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الصلاة، يعني ألم يعلم هذا الرجل أن الله تعالى يراه ويعلمه، وهو ﷾ محيط بعمله، فيجازيه عليه إما في الدنيا، وإما في الدنيا والآخرة. ثم قال: ﴿كلا لئن لم ينته لنسفعن بالناصية﴾ ﴿كلا﴾ هذه بمعنى حقًّا، ويحتمل أن تكون للردع، أي لردعه عن فعله السيىء الذي كان يقوم به تجاه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو بمعنى حقًّا ﴿لنسفعن بالناصية﴾ جملة ﴿لنسفعن﴾ جواب لقسم مقدر والتقدير: والله لئن لم ينته لنسفعن بالناصية، وحذف جواب الشرط وبقي جواب القسم، لأن هذه هي القاعدة في اللغة العربية أنه إذا اجتمع قسم وشرط فإنه يحذف جواب المتأخر، قال ابن مالك في ألفيته:
[ ٢٦٣ ]
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم
جواب ما أخرت فهو ملتزم
وهنا المتأخر هو الشرط ﴿لئن﴾ والقسم مقدر قبله إذ تقديره: والله لئن لم ينته لنسفعن، ومعنى ﴿لنسفعن﴾ أي لنأخذن بشدة و﴿الناصية﴾ مقدم الرأس و(الـ) فيها أي: في الناصية للعهد الذهني، والمراد بالناصية هنا ناصية أبي جهل الذي توعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على صلاته ونهاه عنها، أي لنسفعن بناصيته، وهل المراد الأخذ بالناصية في الدنيا، أو في الآخرة يجر بناصيته إلى النار؟ يحتمل هذا وهذا، يحتمل أنه يؤخذ بالناصية وقد أخذ بناصيته في يوم بدر حين قتل مع من قتل من المشركين، ويحتمل أن يكون يؤخذ بناصيته يوم القيامة فيقذف في النار كما قال الله تعالى: ﴿يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام﴾ [الرحمن: ٤١] . وإذا كانت الآية صالحة لمعنيين لا يناقض أحدهما الآخر فإن الواجب حملها على المعنيين جميعًا كما هو المعروف والذي قررناه سابقًا وهو أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين لا ينافي أحدهما الآخر فالواجب الأخذ بالمعنيين جميعًا. قوله تعالى: ﴿ناصية كاذبة خاطئة﴾ ناصية بدل من الناصية الأولى، وهي بدل نكرة من معرفة، وهي جائزة في اللغة العربية وإنما قال: ﴿ناصية﴾ من أجل أن يكون ذلك توطئة للوصف الآتي بعدها وهو قوله ﴿كاذبة خاطئة﴾ ﴿كاذبة﴾ أي أنها موصوفة بالكذب، ولا شك أن من أكبر ما يكون كذبًا ما يحصل من الكفار الذين يدعون أن مع الله ألهة أخرى، فإن هذا أكذب القول وأقبح الفعل، ﴿خاطئة﴾ أي مرتكبة للخطأ عمدًا، وليعلم أن هناك فرقًا بين خاطىء ومخطىء، الخاطىء من ارتكب الخطأ عمدًا، والمخطىء من ارتكبه جهلًا، والثاني معذور، والأول غير معذور، قال الله ﵎: ﴿لا يأكله إلا الخاطئون﴾ [الحاقة: ٣٧] .
[ ٢٦٤ ]
أي المذنبون ذنبًا عن عمد، وقال تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
فقال الله قد فعلت (^١)، ومثل ذلك القاسط والمقسط، القاسط هو الجائر، والمقسط هو العادل، قال الله تعالى: ﴿وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ [الحجرات: ٩] . وقال تعالى: ﴿وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبًا﴾ [الجن: ١٥] . إذًا ﴿خاطئة﴾ أي مرتكبة للإثم عمدًا. ﴿فليدع ناديه﴾ اللام هنا للتحدي، يعني إن كان صادقًا وعنده قوة، وعنده قدرة فليدع ناديه، والنادي هو مجتمع القوم للتحدث بينهم والتخاطب والتفاهم والاستئناس بعضهم ببعض، وكان أبو جهل معظمًا في قريش، وله نادٍ يجتمع الناس إليه فيه، ويتكلمون في شؤونهم فهنا يقول الله ﷿ إن كان صادقًا فليدع ناديه، وهذا لا شك أنه تحدي، كما تقول لعدوك إن كان لك قوم فتقدم وما أشبه ذلك من الكلمات الدالة على التحدي. ﴿سندع الزبانية﴾ يعني عندنا من هم أعظم من نادي هذا الرجل وهم الزبانية ملائكة النار، وقد وصف الله ملائكة النار بأنهم غلاظ شداد، غلاظ في الطباع، شداد في القوة ﴿لا يعصون الله ما أمرهم﴾ [التحريم: ٦] .
بل يمتثلون كل ما أمرهم الله به ﴿ويفعلون ما يؤمرون﴾ لا يعجزون عن ذلك فوصفهم بوصفين أنهم في تمام الانقياد لله ﷿ ﴿لا يعصون الله ما أمرهم﴾ وأنهم في تمام القدرة ﴿ويفعلون ما يؤمرون﴾ وعدم تنفيذ أمر الله ﷿ إما أن يكون للعجز، وإما أن يكون للمعصية، فمثلًا الذي لا يصلي الفرض قائمًا قد يكون للعجز، وقد يكون للعناد فهو لا ينفذ أمر الله، لكن الملائكة الذين على النار ليس عندهم عجز، بل عندهم قوة وقدرة، وليس عندهم استكبار عن الأمر، بل عندهم تمام
_________________
(١) أخرجه مسلم كتاب الإيمان باب بيان تجاوز الله وتعالى عن حديث النفس (١٢٦) (٢٠٠) .
[ ٢٦٥ ]
التذلل والخضوع، هؤلاء الزبانية لا يمكن لهذا وقومه وناديه أن يقابلوهم أبدًا ولهذا قال: ﴿سندع الزبانية﴾ فإن قال قائل: أين الواو في قوله ﴿سندع﴾؟ قلنا: إنها محذوفة لالتقاء الساكنين، لأن الواو ساكنة والهمزة همزة الوصل ساكنة، وإذا التقى ساكنان فإنه إن كان الحرف صحيحًا كسر، وإن كان غير صحيح حذف، قال ابن مالك ﵀ في ألفيته:
إن ساكنان التقيا اكسر ما سبق
وإن يكن لينًا فحذفه استحق
يعني إذا التقى ساكنان إن كان الحرف الأول صحيحًا ليس من حروف العلة كسر مثل قوله تعالى: ﴿لم يكن الذين كفروا﴾ وأصلها ﴿لم يكنْ﴾ لأن لم إذا دخلت على الفعل جزمته كما في قوله تعالى: ﴿ولم يكن له كفوًا أحد﴾ لكن هنا التقى ساكنان، وكان الأول حرفًا صحيحًا فكسر، أما إذا كان الأول حرف لين، يعني حرفًا من حروف العلة فإنه يحذف كما في هذه الآية ﴿سندع الزبانية﴾ .
﴿كلا لا تطعه واسجد واقترب﴾ يقال في ﴿كلا﴾ ما قيل في الأولى التي قبلها والخطاب في قوله: ﴿لا تطعه﴾ أي لا تطع هذا الذي ينهاك عن الصلاة، بل اسجد ولا تبالي به، وإذا كان الله نهى نبيه ﷺ أن يطيع هذا الرجل فهذا يعني أنه جل وعلا سيدافع عنه، يعني افعل ما تؤمر ولا يهمنك هذا الرجل، واسجد لله ﷿، والمراد بالسجود هنا الصلاة، لكن عبر بالسجود عن الصلاة لأن السجود ركن في الصلاة لا تصح إلا به، فلهذا عبر به عنها. وقوله: ﴿واقترب﴾ أي اقترب من الله ﷿؛ لأن الساجد أقرب ما يكون من ربه كما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث قال: «أقرب ما
[ ٢٦٦ ]
يكون العبد من ربه وهو ساجد» (^١)، وقال ﵊: «ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فَقَمِنٌ أن يستجاب لكم» (^٢)، أي حري أن يستجاب لكم.
هذه السورة (العلق) سورة عظيمة ابتدأها الله تعالى بما منّ به على رسوله ﵊ من الوحي، ثم اختتمها بالسجود والاقتراب من الله ﷿، نسأل الله تعالى أن يرزقنا القيام بطاعته والقرب منه، وأن يجعلنا من أوليائه المتقين، وحزبه المفلحين، وعباده الصالحين، إنه على كل شيء قدير.
_________________
(١) أخرجه مسلم كتاب الصلاة باب ما يقال في الركوع والسجود (٤٨٢) (٢١٥) .
(٢) أخرجه مسلم كتاب الصلاة باب النهي عن قراءة القرأن في الركوع والسجود (٤٧٩) (٢٠٧) .
[ ٢٦٧ ]