﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِى جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ .
البسملة تقدم الكلام عليها.
هذا القرآن فيه من الدلالات الكثيرة ما يدل دلالة واضحة على أن رسول الله ﷺ حق، ليس يدعو لملك ولا لجاه، ولا لرئاسة قومه، وأعمام الرسول ﵊ انقسموا في معاملته ومعاملة ربه ﷿ إلى ثلاثة أقسام:
قسم آمن به وجاهد معه، وأسلم لله رب العالمين.
وقسم ساند وساعد، لكنه باق على الكفر.
وقسم عاند وعارض، وهو كافر.
فأما الأول: فالعباس بن عبد المطلب، وحمزة بن عبد المطلب. والثاني: أفضل من الأول؛ لأن الثاني من أفضل الشهداء عند الله ﷿، ووصفه النبي ﵊ بأنه أسد الله، وأسد رسوله (^١)، واستشهد ﵁ في أحد في السنة الثانية من الهجرة (^٢) .
_________________
(١) أخرجه الخاري في "التاريخ الكبير" ٨/ ٤٣٨ وابن أبي عاصم في الجهاد (٢٤٩) .
(٢) أخرجه البخاري كتاب المغازي باب قتل حمزة بن عبد المطلب ﵁ (٤٠٧٢) .
[ ٣٤٤ ]
أما الذي ساند وساعد مع بقائه على الكفر فهو أبو طالب، فأبو طالب قام مع النبي ﷺ خير قيام في الدفاع عنه ومساندته ولكنه - والعياذ بالله - قد سبقت له كلمة العذاب، لم يُسلم حتى في آخر حياته في آخر لحظة من الدنيا عرض عليه النبي ﷺ أن يسلم لكنه أبى بل ومات على قوله: إنه على ملة عبد المطلب، (^١) فشفع له النبي ﵊ حتى كان في ضحضاح من نار، وعليه نعلان يغلي منهما دماغه (^٢) .
أما الثالث: الذي عاند وعارض فهو أبو لهب. أنزل الله فيه سورة كاملة تُتلى في الصلوات فرضها ونفلها، في السر والعلن، يُثاب المرء على تلاوتها، على كل حرف عشر حسنات. يقول الله ﷿: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾ وهذا رد على أبي لهب حين جمعهم النبي ﷺ ليدعوهم إلى الله فبشر وأنذر، قال أبو لهب: تبًّا لك ألهذا جمعتنا (^٣)، قوله: «ألهذا جمعتنا» إشارة للتحقير، يعني هذا أمر حقير لا يحتاج أن يُجمع له زعماء قريش وهذا كقوله: ﴿أهذا الذي يذكر آلهتكم﴾ [الآنبياء: ٣٦] . والمعنى تحقيره، فليس بشيء ولا يهتم به كما قالوا: ﴿وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾ [الزخرف: ٣١] . فالحاصل أن أبا لهب قال: تبًّا لك ألهذا جمعتنا، فرد الله عليه بهذه السورة: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾ والتباب الخسار. كما قال تعالى: ﴿وما كيد فرعون إلا في تباب﴾ [غافر: ٣٧] . أي: خسار. وبدأ بيديه قبل
_________________
(١) أخرجه البخاري كتاب التفسير باب) إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت) (٤٧٧٢) ومسلم كتاب الإيمان باب الدليل على صحة إسلام حضرة الموت والدليل على أن من مات على الشرك فهو من أصحاب الجحيم (٢٤) (٣٩) .
(٢) تقدم تخريجه ص (٢٠٤) .
(٣) أخرجه البخاري كتاب التفسير باب قوله:) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ) (٤٩٧٣) .
[ ٣٤٥ ]
ذاته؛ لأن اليدين هما آلتا العمل والحركة، والأخذ والعطاء وما أشبه ذلك. وهذا اللقب أبو لهب، لقب مناسب تمامًا لحاله ومآله، وجه المناسبة أن هذا الرجل سوف يكون في نار تلظى، تتلظى لهبًا عظيمًا مطابقة لحاله ومآله. يقول الشاعر:
قل إن أبصرت عيناك ذا لقب
إلا ومعناه إن فكرت في لقبه
ولما أقبل سهيل بن عمرو في قصة غزوة الحديبية قال الرسول ﷺ: «هذا سهيل بن عمرو، وما أراه إلا سهل لكم من أمركم» (^١)، لأن الاسم مطابق للفعل. يقول الله ﷿: ﴿ما أغنى عنه ماله﴾ «ما» هذه يحتمل أن تكون استفهامية والمعنى: أي شيء أغنى عنه ماله وما كسب؟ والجواب: لا شيء، ويحتمل أن تكون (ما) نافية. أي ما أغنى عنه، أي لم يغنِ عنه ماله وما كسب شيئًا، وكلا المعنيين متلازمان، ومعناهما: أن ماله وما كسب لم يغنِ عنه شيئًا، مع أن العادة أن المال ينفع، فالمال يفدي به الآنسان نفسه لو تسلط عليه عدو وقال: أنا أعطيك كذا وكذا من المال وأطلقني، يطلقه، لكن قد يطلب مالًا كثيرًا أو قليلًا، ولو مرض انتفع بماله، ولو جاع انتفع بماله، فالمال ينفع، لكن النفع الذي لا ينجي صاحبه من النار، ليس بنفع. ولهذا قال: ﴿ما أغنى عنه ماله﴾ . يعني من الله شيئًا قوله: ﴿وما كسب﴾ قيل المعنى: وما كسب من الولد. كأنه قال: ما أغنى عنه ماله وولده. كقول نوح: ﴿واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارًا﴾ [نوح: ٢١] . فجعلوا قوله: ﴿وما كسب﴾ يعني بذلك الولد. وأيدوا هذا القول بقول النبي ﷺ: «إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم» (^٢) .
_________________
(١) أخرجه البخاري كتاب الشروط باب الشروط في الجهاد (٢٧٣١) .
(٢) أخرجه الترمزي كتاب الأحكام باب ما جاء أن الوالد يأخذ من مال ولده (١٣٨٥) وقال: حديث حسن صحيح.
[ ٣٤٦ ]
والصواب أن الآية أعم من هذا، وأن الآية تشمل الأولاد، وتشمل المال المكتسب الذي ليس في يده الآن، وتشمل ما كسبه من شرف وجاه. كل ما كسبه مما يزيده شرفًا وعزًّا فإنه لا يُغني عنه شيئًا ﴿ما أغنى عنه ماله وما كسب﴾ . ﴿سيصلى نارًا ذات لهب﴾ السين في قوله: ﴿سيصلى﴾ للتنفيس المفيد للحقيقة والقرب. يعني أن الله تعالى توعده بأنه سيصلى نارًا ذات لهب عن قريب؛ لأن متاع الدنيا والبقاء في الدنيا مهما طال فإن الآخرة قريبة، حتى الناس في البرزخ وإن مرت عليهم السنون الطوال فكأنها ساعة ﴿كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون﴾ [الأحقاف: ٣٥] . وشيء مقدر بساعة من نهار فإنه قريب. ﴿وامرأته حمالة الحطب﴾ يعني كذلك امرأته معه، وهي امرأة من أشراف قريش لكن لم يغنِ عنها شرفها شيئًا لكونها شاركت زوجها في العداء والإثم، والبقاء على الكفر. وقوله: ﴿حمالة الحطب﴾ قُرأت بالنصب والرفع، أما النصب فإنها تكون حالًا لامرأة، يعني وامرأته حال كونها حمالة الحطب. أو تكون منصوبة على الذم لأن النعت المقطوع يجوز نصبه على الذم. أي أذم حمالة الحطب. وأما على قراءة الرفع فهي صفة لامرأة ﴿حمالة الحطب﴾ ﴿حمالة﴾ صيغة مبالغة أي تحمله بكثرة، وذكروا أنها تحمل الحطب الذي فيه الشوك وتضعه في طريق النبي ﷺ من أجل أذى الرسول ﷺ. ﴿في جيدها حبل من مسد﴾ الجيد: العنق، والحبل معروف، والمسد: الليف.
يعني أنها متقلدة حبلًا من الليف تخرج به إلى الصحراء لتربط به الحطب الذي تأتي به لتضعه في طريق النبي ﷺ، نعوذ بالله من ذلك، وهو إشارة إلى دنو نظرتها، وأنها أهانت نفسها، امرأة من قريش من أكابر قبائل قريش
[ ٣٤٧ ]
تخرج إلى الصحراء وتضع هذا الحبل في عنقها، وهو من الليف مع ما فيه من المهانة، لكن من أجل أذية الرسول ﵊. نسأل الله العافية. وبهذا ينتهي الكلام بما يسر الله ﷿ على هذه السورة.
[ ٣٤٨ ]