﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَالنَّزِعَتِ غَرْقًا * وَالنَّشِطَتِ نَشْطًا * وَالسَّبِحَتِ سَبْحًا * فَالسَّبِقَتِ سَبْقًا * فَالْمُدَبِّرَتِ أَمْرًا * يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أَبْصَرُهَا خَشِعَةٌ * يَقُولُونَ أَءِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِى الْحَفِرَةِ * أَءِذَا كُنَّا عِظَمًا نَّخِرَةً * قَالُواْ تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَسِرَةٌ * فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ * فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ﴾ .
البسملة تقدم الكلام عليها.
﴿والنازعات﴾ يعني الملائكة الموكلة بقبض أرواح الكفار تنزعها ﴿غرقا﴾ أي نزعًا بشدة. ﴿والناشطات نشطا﴾ يعني الملائكة الموكلة بقبض أرواح المؤمنين، تنشطها نشطًا: أي تسلها برفق كالأنشوطة، والأنشوطة: الربط الذي يسمونه عندنا (التكة) أو ما أشبه ذلك من الكلمات، يعني يكون ربطًا بحيث إذا سللت أحد الطرفين انفكت العقدة وهذا ينحل بسرعة وبسهولة، فهؤلاء الملائكة الموكلة بقبض أرواح المؤمنين تنشطها نشطًا أي: تسلها برفق، وسبب ذلك أن الملائكة الموكلة بقبض أرواح الكفار إذا دعت الروح إلى الخروج تناديها بأقبح الأوصاف تقول الملائكة لروح الكافر: اخرجي أيتها النفس الخبيثة التي كانت في الجسد الخبيث، اخرجي إلى غضب الله، فتنفر الروح لا تريد أن تخرج إلى هذا، وتتفرق في الجسد حتى يقبضوها بشدة، وينزعوها نزعًا يكاد يتمزق الجسد منها من شدة النزع. أما
[ ٣٩ ]
أرواح المؤمنين - جعلني الله وإياكم منهم - فإن الملائكة إذا نزلت لقبضها تبشرها: أخرجي يا أيتها النفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب أخرجي إلى رضوان الله، فيهون عليها أن تفارق جسدها الذي ألفته فتخرج بسهولة، (^١) ولهذا لما قال النبي ﵊: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه» . قالت عائشة: يا رسول الله: إنَّا لنكره الموت، فقال: «ليس ذلك ولكن المؤمن إذا حضره الموت بُشر برضوان الله وكرامته فليس شيء أحب إليه مما أمامه فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه»، (^٢)
لأنه في تلك اللحظة يرى أنه سينتقل إلى دار أحسن من الدار التي فارقها فيفرح كما يفرح أحدنا إذا قيل له أخرج من بيت الطين إلى بيت المسلح القصر المشيد الطيب، فيفرح فيحب لقاء الله، والكافر - والعياذ بالله - بالعكس إذا بشر بالغضب والعذاب فإنه يكره أن يموت، يكره لقاء الله فيكره الله لقاءه. ﴿والسابحات سبحا﴾ هي الملائكة تسبح بأمر الله، أي تسرع فيه كما يسرع السابح في الماء، وكما قال تعالى عن الشمس والقمر والليل والنهار ﴿كل في فلك يسبحون﴾ [يس: ٤٠] . فالمعنى أنها تسبح بأمر الله ﷿ على حسب ما أراد الله ﷾، وهم أي الملائكة أقوى من الجن، والجن أقوى من البشر، انظر إلى قوله تعالى عن سليمان: ﴿يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين. قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين. قال الذي عنده علمٌ من الكتاب أنا آتيك
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢٨٧/٤) . وأبو داؤود كتاب السنة، باب المسألة في القبر (٤٧٥٣)، والحاكم (٣٧/١) وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه (٦٥٠٧) ..
[ ٤٠ ]
به قبل أن يرتد إليك طرفك﴾ [النمل: ٣٨ - ٤٠] . يعني إذا مددت طرفك ثم رجعته فقبل أن يرجع إليك آتيك به ﴿فلما رآه مستقرًّا عنده﴾ في الحال رآه مستقرًا عنده ﴿قال هذا من فضل ربي ليبلونيءَأَشكر أم أكفر﴾ قال العلماء: إنه حملته الملائكة حتى جاءت به إلى سليمان من اليمن، وسليمان بالشام بلحظة فدل هذا على أن قوة الملائكة أشد بكثير من قوة الجن، وقوة الجن أشد من بني آدم؛ لأنه لا يستطيع أحد من بني آدم أن يأتي بعرش ملكة سبأ من اليمن إلى الشام إلا مدة طويلة، فالحاصل أن الملائكة تسبح بأمر الله ﷿ بما يأمرها به. ﴿فالسابقات سبقًا﴾ أيضًا هي الملائكة تسبق إلى أمر الله ﷿، ولهذا كانت الملائكة أسبق إلى أمر الله وأقوم بأمر الله من بني آدم، قال الله تعالى في وصف ملائكة النار: ﴿عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ .
[التحريم: ٦] . وقال ﷿: ﴿ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون. يسبحون الليل والنهار لا يفترون﴾ [الأنبياء: ١٩، ٢٠] . فهم سباقون إلى أمر الله ﷿ بما يأمرهم لا يعصونه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لقوتهم وقدرتهم على فعل أوامر الله ﷿. ﴿فالمدبرات أمرًا﴾ أيضًا وصف للملائكة تدبر الأمر، وهو واحد الأمور يعني أمور الله ﷿ لها ملائكة تدبرها، حسب أمره فجبرائيل موكل بالوحي يتلقاه من الله وينزل به على الرسل، وإسرافيل موكل بنفخ الصور الذي يكون عند يوم القيامة ينفخ في الصور فيفزع الناس ويموتون، ثم ينفخ فيه أخرى فيبعثون، وميكائيل موكل بالقطر وبالمطر والنبات، وملك الموت موكل بالأرواح، ومالك موكل بالنار، ورضوان موكل بالجنة، وعن اليمين وعن الشمال قعيد موكل بالأعمال، وملائكة موكلون بحفظ أعمال بني آدم كلٌّ يدبر ما أمره الله ﷿ به.
[ ٤١ ]
فهذه الأوصاف كلها أوصاف للملائكة على حسب أعمالهم، وأقسم الله ﷾ بالملائكة لأنهم من خير المخلوقات، ولا يقسم الله ﷾ بشيء إلا وله شأن عظيم إما في ذاته، وإما لكونه من آيات الله ﷿. ثم قال تعالى: ﴿يوم ترجف الراجفة. تتبعها الرادفة﴾ هذه ﴿يوم ترجف﴾ متعلقة بمحذوف والتقدير أذكر يا محمد وذكّر الناس بهذا اليوم العظيم: ﴿يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة﴾، وهما النفختان في الصور، النفخة الأولى ترجف الناس ويفزعون ثم يموتون عن آخرهم إلا من شاءالله، والنفخة الثانية يبعثون من قبورهم فيقوم الناس من قبورهم مرة واحدة، قال الله تعالى: ﴿فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة﴾ [النازعات:: ١٣، ١٤] . إذا رجفت الراجفة وتبعتها الرادفة انقسم الناس إلى قسمين: ﴿قلوب يومئذ واجفة. أبصارها خاشعة. يقولون إنا لمردودون في الحافرة.
أإذا كنا عظامًا نخرة قالوا تلك إذًا كرة خاسرة﴾ وهذه قلوب الكفار ﴿واجفة﴾ أي: خائفة خوفًا شديدًا. ﴿أبصارها خاشعة﴾ يعني ذليلة لا تكاد تحدق أو تنظر بقوة ولكنه قد غضت أبصارهم - والعياذ بالله - لذلهم قال الله تعالى: ﴿وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي﴾ [الشورى: ٤٥] . وأما القسم الثاني فقلوبهم على عكس قلوب هؤلاء ويدل لهذا التقسيم قوله: ﴿قلوب يومئذ﴾ بصيغة النكرة، فيكون المعنى: وقلوب على عكس ذلك، ﴿فإنما هي زجرة واحدة. فإذا هم بالساهرة﴾ زجرة من الله ﷿ يزجرون ويصاح بهم فيقومون من قبورهم قيام رجل واحد على ظهر الأرض بعد أن كانوا في بطنها قال الله ﵎: ﴿إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون﴾ [يس: ٥٣] . كل الخلق في هذه الكلمة الواحدة يخرجون من قبورهم أحياء، ثم يحضرون إلى الله ﷿ ليجازيهم، ولهذا قال: ﴿فإنما هي زجرة واحدة. فإذا هم بالساهرة﴾ وهذا كقوله تعالى: ﴿وما أمرنا إلا
[ ٤٢ ]
واحدة كلمح بالبصر﴾ [القمر: ٥٠] . يعني أنَّ الله إذا أراد شيئًا إنما يقول له: (كن) مرة واحدة فقط فيكون ولا يتأخر هذا عن قول الله لحظة ﴿كلمح بالبصر﴾ والله ﷿ لا يعجزه شيء، فإذا كان الخلق كلهم يقومون من قبورهم لله ﷿ بكلمة واحدة فهذا أدل دليل على أن الله تعالى على كل شيء قدير، وأن الله لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض كما قال تعالى: ﴿وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليمًا قديرًا﴾ ﴿فاطر: ٤٤﴾ .
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى * فَأَرَاهُ الآية الْكُبْرَى * فَكَذَّبَ وَعَصَى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الَاْعْلَى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الَاْخِرَةِ وَالاُْوْلَى * إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى﴾ .
ثم قال تعالى مبينًا ما جرى للأمم قبل محمد ﵌، (^١) فقال الله تعالى: ﴿هل أتاك حديث موسى﴾ والخطاب في
_________________
(١) قصص القرءان أصدق القصص لقوله تعالى (ومن أصدق من الله حديثًا) وذلك لتمام مطابقتها للواقع.
[ ٤٣ ]
قوله: ﴿هل أتاك﴾ للنبي ﵌ أو لكل من يتأتى خطابه ويصح توجيه الخطاب إليه، ويكون على المعنى الأول (هل أتاك يا محمد)، وعلى المعنى الثاني: (هل أتاك أيها الإنسان) ﴿حديث موسى﴾ وهو ابن عمران ﵊ أفضل أنبياء بني إسرائيل، وهو أحد أولي العزم الخمسة الذين هم: محمد ﵌، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ونوح عليهم الصلاة والسلام، وقد ذكر هؤلاء الخمسة في القرآن في موضعين، أحدهما في الأحزاب في قوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم﴾ [الأحزاب: ٧] . والثاني في قوله تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصَّى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى﴾ [الشورى: ١٣] . وحديث موسى ﵊ ذكر في القرآن أكثر من غيره؛ لأن موسى هو نبي اليهود وهم كثيرون في المدينة وحولها في عهد النبي ﵌، فكانت قصص موسى أكثر ما قص علينا من نبأ الأنبياء وأشملها وأوسعها وفي قوله: ﴿هل أتاك حديث موسى﴾ تشويق للسامع ليستمع إلى ما جرى في هذه القصة. ﴿إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى﴾ ناداه الله ﷿ نداءً سمعه بصوت الله ﷿، قال تعالى: ﴿وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيًّا﴾ [مريم: ٥٢] . وقوله:
[ ٤٥ ]
﴿بالواد المقدس﴾ هو الطور، والوادي هو مجرى الماء، وسماه الله مقدسًا لأنه كان فيه الوحي إلى موسى ﵊. وقوله: ﴿طوى﴾ اسم للوادي.
﴿اذهب إلى فرعون إنه طغى﴾ فرعون كان ملك مصر، وكان يقول لقومه إنه ربهم الأعلى، وأنه لا إله غيره ﴿وقال فرعون يا أيها الملا ما علمت لكم من إله غيري﴾ فادعى ما ليس له، وأنكر حق غيره وهو الله ﷿، وأمر الله نبيه موسى ﵊ أن يذهب إلى فرعون وهذه هي الرسالة، وبين سبب ذلك وهو طغيان هذا الرجل - أعني فرعون - وفي سورة طه قال: ﴿اذهبا إلى فرعون إنه طغى﴾ [طه: ٤٣] . ولا منافاة بين الايتين وذلك أن الله تعالى أرسل موسى أولًا ثم طلب موسى ﵌ من ربه أن يشد أزره بأخيه هارون فأرسل هارون ﵊ مع موسى فصار موسى وهارون كلاهما مرسل إلى فرعون. وقوله تعالى: ﴿إنه طغى﴾ أي: زاد على حده؛ لأن الطغيان هو الزيادة، ومنه قوله تعالى: ﴿إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية﴾ [الحاقة: ١١] . ومنه الطاغوت: لأن فيه مجاوزة الحد. ﴿فقل هل لك إلى أن تزكى﴾ الاستفهام هنا للتشويق، تشويق فرعون أن يتزكى مما هو عليه من الشر والفساد، وأصل الزكاة النمو والزيادة، وتطلق بمعنى الإسلام والتوحيد، ومنه قوله تعالى: ﴿وويل للمشركين. الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون﴾ [فصلت: ٦، ٧] . ومنه قوله تعالى: ﴿قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها﴾ [الشمس: ٩ - ١٠] . ﴿وأهديك إلى ربك﴾ أي أدلك إلى ربك أي إلى دين الله ﷿ الموصل إلى الله. ﴿فتخشى﴾ أي فتخاف الله ﷿ على علم منك؛ لأن الخشية هي الخوف المقرون بالعلم، فإن لم يكن علم فهو خوف مجرد، وهذا هو الفرق بين الخشية والخوف. الفرق
[ ٤٦ ]
بينهما أن الخشية عن علم قال الله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر:: ٢٨] .
وأما الخوف فهو خوف مجرد ذعر يحصل للإنسان ولو بلا علم، ولهذا قد يخاف الإنسان من شيء يتوهمه لا حقيقة له، قد يرى في الليلة الظلماء شبحًا لا حقيقة له فيخاف منه، فهذا ذعر مبني على وهم، لكن الخشية تكون عن علم. فذهب موسى ﵊ وقال لفرعون ما أمره الله به ﴿هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى﴾ ولما كان البشر لا يؤمنون ولا يقبلون دعوى شخص أنه رسول إلا بآية كما أنه لا يقبل من أحد دعوى إلا ببينة جعل الله ﷾ مع كل رسول آية تدل على صدقه، وهنا قال: ﴿فأراه الآية الكبرى﴾ يعني أرى موسى فرعون الآية الكبرى، فما هي هذه الآية؟ الآية أن معه عصًا من خشب من فروع الشجر كما هو معروف، فكان إذا وضعها في الأرض صارت حية تسعى ثم يحملها فتعود عصا، وهذا من آيات الله أن شيئًا جمادًا إذا وضع على الأرض صار حية تسعى، وإذا حمل من الأرض عاد في الحال فورًا إلى حاله الأولى عصا من جملة العصي، وإنما بعثه ﵊ بهذه الآية، وبكونه يدخل يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء أي من غير عيب، أي: بيضاء بياضًا ليس بياض البرص ولكنه بياض جعله الله آية، إنما بعثه الله بالعصا واليد؛ لأنه كان في زمن موسى السحر منتشرًا شائعًا فأرسله الله ﷿ بشيء يغلب السحرة الذين تصدوا لموسى ﵊.
قال أهل العلم: وفي عهد عيسى ﵌ انتشر الطب انتشارًا عظيمًا، فجاء عيسى بأمر يعجز الأطباء، وهو أنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برىء، إذا جيء إليه بشخص فيه عاهة أي عاهة تكون مسحه بيده ثم برىء بإذن الله ﴿يبرىء
[ ٤٧ ]
الأكمه والأبرص﴾ مع أن البرص لا دواء له لكن هو يبرىء الأبرص بإذن الله ﷿، ويبرىء الأكمه الذي خلق بلا عيون، وأشد من هذا وأعظم أنه يحيي الموتى بإذن الله، يؤتى إليه بالميت فيتكلم معه ثم تعود إليه الحياة، وأشد من ذلك وأبلغ أنه يخرج الموتى بإذن الله من قبورهم، يقف على القبر وينادي صاحب القبر فيخرج من القبر حيًّا، وهذا شيء لا يمكن لأي طب أن يبلغه، ولهذا كانت آية عيسى في هذا الوقت مناسبة تمامًا لما كان عليه الناس. قال أهل العلم: أما رسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقد أتى إلى العرب وهم يتفاخرون في الفصاحة، ويرون أن الفصاحة أعظم منقبة للإنسان فجاء محمد ﵌، بهذا القرآن العظيم الذي أعجز أمراء الفصاحة، وعجزوا عن أن يأتوا بمثله، قال الله تعالى: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] . يعني لو كان بعضهم يعاون بعضًا فإنهم لن يأتوا بمثله. حينئذ نقول إن موسى ﵊ أرى فرعون الآية الكبرى ولكن لم ينتفع بالآيات ﴿وما تغني الايات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾ [يونس: ١٠١] . ﴿إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب﴾ [يس: ١١] فالذين ليس في قلوبهم استعداد للهداية لا يهتدون ولو جاءتهم كل آية - والعياذ بالله - ولهذا قال: ﴿فكذب وعصى﴾ كذب الخبر، وعصى الأمر، يعني قال لموسى إنك لست رسولًا بل قال ﴿إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون﴾ [الشعراء: ٢٧] .
وعصى الأمر فلم يمتثل أمر موسى ولم ينقد لشرعه. ﴿ثم أدبر يسعى﴾ أي تولى مدبرًا يسعى حثيثًا. ﴿فحشر فنادى﴾ حشر الناس أي جمعهم ونادى فيهم بصوت مرتفع ليكون ذلك أبلغ في نهيهم عما يريد منهم موسى ﵊. ﴿فقال أنا
[ ٤٨ ]
ربكم الأعلى﴾ يعني لا أحد فوقي لأن ﴿الأعلى﴾ اسم تفضيل من العلو، فانظر كيف استكبر هذا الرجل وادعى لنفسه ما ليس له في قوله: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ وكان يفتخر بالأنهار والُملك الواسع يقول لقومه في ما قال لهم ﴿يا قومِ أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين﴾ [الزخرف:: ٥١، ٥٢] . فما الذي حصل؟ أغرقه الله ﷿ بالماء الذي كان يفتخر به، وأورث الله ملك مصر بني إسرائيل الذين كان يستضعفهم. ﴿فأخذه الله نكال الآخرة والأولى﴾ أخذه الله تعالى أخذ عزيز مقتدر، ﴿نكال الآخرة والأولى﴾ يعني أنه نكّل به في الآخرة وفي الأولى، فكان عبرة في زمنه، وعبرة فيما بعد زمنه إلى يوم القيامة، كل من قرأ كتاب الله وما صنع الله بفرعون فإنه يتخذ ذلك عبرة يعتبر به، وكيف أهلكه الله مع هذا الملك العظيم وهذا الجبروت وهذا الطغيان فصار أهون على الله تعالى من كل هين.
﴿إن في ذلك لعبرة لمن يخشى﴾ ﴿إن في ذلك﴾ أي فيما جرى من إرسال موسى إلى فرعون ومحاورته إياه واستهتار فرعون به واستكباره عن الانقياد له عبرة، ﴿لمن يخشى﴾ أي يخشى الله ﷿، فمن كان عنده خشية من الله وتدبر ما حصل لموسى مع فرعون والنتيجة التي كانت لهذا ولهذا فإنه يعتبر ويأخذ من ذلك عبرة، والعبر في قصة موسى كثيرة ولو أن أحدًا انتدب لجمع القصة من الايات في كل سورة ثم يستنتج ما حصل في هذه القصة من العبر لكان جيدًا، وذلك بأن يأتي بالقصة كلها في كل الايات، لأن السور في بعضها شيء ليس في البعض الآخر، فإذا جمعها وقال مثلًا يؤخذ من هذه القصة العظيمة العبر التالية ثم يسردها، كيف أرسله الله ﷿ إلى فرعون؟ كيف قال لهما ﴿فقولا له قولًا لينًا﴾ [طه: ٤٤] . مع أنه
[ ٤٩ ]
مستكبر خبيث؟ وكيف كانت النتيجة؟ وكيف كان موسى ﵊، خرج من مصر خائفًا على نفسه يترقب كما خرج الرسول ﵊ من مكة يترقب، وصارت العاقبة للرسول ﵊ ولموسى ﵊، لكن العاقبة للرسول ﷺ بفعله وأصحابه، عذب الله أعداءهم بأيديهم، وعاقبة موسى بفعل الله ﷿، فهي عبر يعتبر بها الإنسان يصلح بها نفسه وقلبه حتى يتبين الأمر.
﴿أَءَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَآءُ بَنَهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَهَا * وَالَاْرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَهَا * مَتَعًا لَّكُمْ وَلَاِنْعَمِكُمْ﴾ .
﴿ءأنتم أشد خلقًا أم السماء﴾ هذا الاستفهام لتقرير إمكان البعث؛ لأن المشركين كذبوا النبي ﵌ بالبعث وقالوا: ﴿من يحيي العظام وهي رميم﴾ [يس: ٧٨] . فيقول الله ﷿: ﴿ءأنتم أشد خلقًا أم السماء﴾ الجواب معلوم لكل أحد أنه السماء كما قال تعالى: ﴿لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ [غافر: ٥٧] . ﴿بناها﴾ هذه الجملة لا تتعلق بالتي قبلها، ولهذا ينبغي للقارىء إذا قرأ أن يقف على قوله ﴿أم السماء﴾ ثم يستأنف فيقول: ﴿بناها﴾ فالجملة استئنافية لبيان عظمة السماء، ﴿بناها﴾ أي بناها الله ﷿ وقد بين الله ﷾ في آية أخرى في سورة الذاريات أنه بناها بقوة فقال: ﴿والسماء بنيناها بأيد﴾ أي
[ ٥٠ ]
بقوة وقد يظن ظان أن الأيد هنا جمع يد، وليس كذلك لأن أيد مصدر (آد) يئيد اي قوي. ﴿رفع سمكها فسواها﴾ رفعه يعني عن الأرض ورفعه ﷿ بغير عمد كما قال الله تعالى: ﴿الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها﴾ [الرعد: ٢] . ﴿فسواها﴾ أي جعلها مستوية تامة كاملة كما قال تعالى في خلق الإنسان: ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك﴾ [الانفطار: ٦، ٧] . فسواك: أي جعلك سويًّا تام الخلقة، فالسماء كذلك سواها الله ﷿. ﴿وأغطش ليلها﴾ أغطشه أي أظلمه، فالليل مظلم، قال الله تعالى: ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة﴾ [الإسراء: ١٢] . ﴿وأخرج ضحاها﴾ بينه بالشمس التي تخرج كل يوم من مطلعها وتغيب من مغربها. ﴿والأرض بعد ذلك﴾ أي بعد خلق السماوات والأرض ﴿دحاها﴾ بين سبحانه هذا الدحو بقوله: ﴿أخرج منها ماءها ومرعاها﴾ وكانت الأرض مخلوقة قبل السماء كما قال الله تعالى: ﴿قل أئِنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادًا ذلك رب العالمين.
وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدَّر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين. ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين. فقضاهن سبع سماوات في يومين﴾ [فصلت: ٩ - ١٢] . فالأرض مخلوقة من قبل السماء لكن دحوها وإخراج الماء والمرعى منها كان بعد خلق السماوات. ﴿والجبال أرساها﴾ أي جعلها راسية في الأرض فلا تنسفها الرياح مهما قويت، وهي أيضًا تمسك الأرض لئلا تضطرب بالخلق كما قال تعالى: ﴿وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم﴾ . ﴿متاعًا لكم ولأنعامكم﴾ أي جعل الله تعالى ذلك متاعًا لنا نتمتع به فيما نأكل ونشرب، ولأنعامنا أي مواشينا من الإبل والبقر والغنم وغيرها. التي تدر علينا وتنمو بها أموالنا.
[ ٥١ ]
ولما ذكَّر الله ﷿ عباده بهذه النعم الدالة على كمال قدرته ورحمته ذكرهم بمآلهم الحتمي الذي لابد منه، فقال ﷿:
﴿فَإِذَا جَآءَتِ الطَّآمَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَنُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى * فَأَمَّا مَن طَغَى * وَءاثَرَ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾ .
﴿فإذا جاءت الطامة الكبرى﴾ وذلك قيام الساعة، وسماها طامة لأنها داهية عظيمة تطم كل شيء سبقها. ﴿الكبرى﴾ يعني أكبر من كل طامة. ﴿يوم يتذكر الإنسان ما سعى﴾ لهذا اليوم الذي تكون فيه الطامة الكبرى وهو اليوم الذي يتذكر فيه الإنسان ما سعى، أي ما يعمله في الدنيا يتذكره مكتوبًا بكتاب، عنده يقرأه هو بنفسه قال الله تعالى: ﴿ونخرج له يوم القيامة كتابًا يلقاه منشورًا. اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا﴾ [الإسراء: ١٣، ١٤] . فإذا قرأه تذكر ما سعى أي ما عمل، أما اليوم فإننا قد نسينا ما عملنا، عملنا أعمالًا كثيرة منها الصالح، ومنها اللغو، ومنها السيىء، لكن كل هذا ننساه، وفي يوم القيامة يعرض علينا هذا في كتاب ويقال اقرأ كتابك أنت بنفسك ﴿كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] . فحينئذ يتذكر ما سعى ﴿ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابًا﴾ [النبأ: ٤٠] . ﴿وبُرِّزت الجحيم لمن يرى﴾ ﴿برزت﴾ أظهرت تجيء تقاد بسبعين ألف زمام كل زمام فيه سبعون ألف ملك يجرونها (^١)، إذا ألقي منها الظالمون مكانًا ضيقًا مقرنين دعوا هنالك ثبورًا،
_________________
(١) أخرجه مسلم كتاب الجنة، باب جهنم (٢٨٤٢) (٢٩) .
[ ٥٢ ]
فتنخلع القلوب ويشيب المولود ولهذا قال: ﴿فأما من طغى. وآثر الحياة الدنيا﴾ هذان وصفان هما وصفا أهل النار، الطغيان وهو مجاوزة الحد، وإيثار الدنيا على الآخرة بتقديمها على الآخرة وهما متلازمتان فكل من طغى فقد آثر الحياة الدنيا وكذلك العكس، والطغيان مجاوزة الحد، وحد الإنسان مذكور في قوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦] .
فمن جاوز حده ولم يعبد الله فهذا هو الطاغي لأنه تجاوز الحد، فأنت مخلوق لا لتأكل وتتنعم وتتمتع كما تتمتع الأنعام، بل أنت مخلوق لعبادة الله فاعبد الله ﷿، فإن لم تفعل فقد طغيت فهذا هو الطغيان ألا يقوم الإنسان بعبادة الله. ﴿وآثر الحياة الدنيا﴾ أي قدمها على طاعة الله ﷿ مثاله: إذا أذن الفجر آثر النوم على الصلاة، وإذا قيل له أذكر الله آثر اللغو على ذكر الله وهكذا ﴿فإن الجحيم هي المأوى﴾ أي هي مأواه، والمأوى هو المرجع والمقر وبئس المقر مقر جهنم - أعاذنا الله منها - ﴿وأما من خاف مقام ربه﴾ يعني خاف القيام بين يديه؛ لأن الإنسان يوم القيامة سوف يقرره الله ﷿ بذنوبه حين يخلو به ويقول عملت كذا، عملت كذا، عملت كذا كما جاء في الصحيح، فإذا أقر قال الله له: «قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم» (^١)، فهذا الذي خاف هذا المقام، ﴿ونهى النفس عن الهوى﴾ أي عن هواها، المخالف لأمر الله ورسوله، والنفس أمَّارة بالسوء لا تأمر إلا بالشر. ولكن هناك نفس أخرى تقابلها وهي النفس المطمئنة؛ وللإنسان ثلاث نفوس: مطمئنة، وأمارة، ولوامة، وكلها في القرآن، أما المطمئنة ففي قوله تعالى: ﴿يا أيتها النفس المطمئنة. ارجعي إلى ربك
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب المظالم، باب قول الله تعالى: (ألا لعنة الله على الظالمين) (٢٤٤١) ومسلم كتاب التوبة، باب سعة رحمة الله على المؤمنين (٢٧٦٨) (٥٢) .
[ ٥٣ ]
راضية مرضية. فادخلي في عبادي. وادخلي جنتي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠] . وأما الأمَّارة بالسوء ففي قوله تعالى: ﴿وما أبرىء نفسي إن النفس لأمَّارة بالسوء إلا ما رحم ربي﴾ [يوسف: ٥٣] . وأما اللوامة ففي قوله تعالى: ﴿لا أقسم بيوم القيامة. ولا أقسم بالنفس اللوامة﴾ [القيامة: ١، ٢] .
والإنسان يحس بنفسه بهذه الأنفس؛ يرى في نفسه أحيانًا نزعة خير يحب الخير ويفعله وهذه هي النفس المطمئنة، ويرى أحيانًا في نفسه نزعة شر فيفعله وهذه النفس الأمارة بالسوء، وتأتي بعد ذلك النفس اللوامة التي تلومه على ما فعل فتجده يندم على ما فعل من المعصية، أو لوامة أخرى تلومه على ما فعل من الخير، فإن من الناس من قد يلوم نفسه على فعل الخير وعلى مصاحبة أهل الخير ويقول: كيف أصاحب هؤلاء الذين صدوني عن حياتي.. عن شهواتي.. عن لهوي، وما أشبه ذلك. فاللوامة نفس تلوم الأمارة بالسوء مرة، وتلوم المطمئنة مرة أخرى، فهي في الحقيقة نفس بين نفسين تلوم النفس الأمارة بالسوء إذا فعلت السوء، وتندم الإنسان، وقد تلوم النفس المطمئنة إذا فعلت الخير. ﴿فإن الجنة هي المأوى﴾ الجنة هي دار النعيم التي أعدها الله ﷿ لأوليائه فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، قال الله تعالى: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ [السجدة: ١٧] . هكذا جاء في القرآن، وجاء في الحديث القدسي: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» (^١)، هذه الجنة يدركها الإنسان قبل أن يموت، إذا حضر الأجل ودعت الملائكة النفس للخروج قالت: أخرجي أيتها النفس المطمئنة إلى رضوان الله (^٢)،
_________________
(١) أخرجه البخاؤي كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة (٣٢٤٤)، ومسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب صفة الجنة (٢٨٢٤) (٢) .
(٢) تقدم تخريجه ص (٤٠) .
[ ٥٤ ]
وتبشر النفس بالجنة، قال الله تعالى: ﴿الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم﴾ [النحل: ٣٢] .
يقولونه حين التوفي ﴿ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ فيبشر بالجنة فتخرج روحه راضية متيسرة سهلة، ولهذا لما حدث النبي ﵊ فقال: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه» (^١) قالت عائشة: يا رسول الله: كلنا يكره الموت، فذكر لها أنه ليس الأمر ذلك - ولكن المؤمن إذا بشر بما يبشر به عند الموت أحب لقاء الله أحب الموت وسهل عليه»، وإن الكافر إذا بشر - والعياذ بالله - بما يسوؤه عند الموت كره لقاء الله وهربت نفسه وتفرقت في جسده حتى ينتزعوها منه كما ينتزع السفود من الشعر المبلول، والشعر المبلول إذا جر عليه السفود وهو معروف عند الغزالين يكاد يمزقه من شدة سحبه عليه هكذا روح الكافر والعياذ بالله - تتفرق في جسده لأنها تبشر بالعذاب فتخاف (^٢)، فالجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، والإنسان قد يدركها قبل أن يموت بما يبشر به، وقد قال أنس بن النضر ﵁ لسعد بن معاذ: «يا سعد، والله إني لأجد ريح الجنة دون أحد» (^٣)، وهذا ليس معناه الوجدان الذوقي، وجدان حقيقي، قال ابن القيم ﵀: (إن بعض الناس قد يدرك الآخرة وهو في الدينا)، ثم انطلق فقاتل وقُتل ﵁، فالحاصل أن الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٤٠) .
(٢) تقدم تخريجه ص (٤٠) .
(٣) أخرجه البخاري كتاب المغازي، باب غزوة احد (٤٠٤٨) .
[ ٥٥ ]
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَهَا * فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَهَآ * إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُواْ إِلَاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَهَا
﴿يسألونك عن الساعة إيَّان مرسها﴾ ﴿يسألونك﴾ يعني يسألك الناس كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله﴾ [الأحزاب: ٦٣] . (مرساها) أي متى وقوعاها سؤال الناس عن الساعة ينقسم إلى قسمين: سؤال استبعاد وإنكار وهذا كفر كما سأل المشركون النبي ﷺ عن الساعة واستعجلوها، وقد قال الله عن هؤلاء: ﴿يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق﴾ . وسؤال عن الساعة يسأل متى الساعة ليستعد لها وهذا لا بأس به، وقد قال رجل للنبي ﵊: يا رسول الله متى الساعة؟ قال له: «ماذا أعددت لها؟ قال: حب الله ورسوله. قال: «المرء مع من أحب» (^١)، فالناس يسألون النبي ﵊ ولكن تختلف نياتهم في هذا السؤال، ومهما كانت نياتهم ومهما كانت أسئلتهم فعلم الساعة عند الله ولهذا قال: ﴿فيمَ أنت من ذكراها﴾ يعني أنه لا يمكن أن تذكر لهم الساعة، لأن علمها عند الله كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿قل إنما علمها عند الله﴾ [الأحزاب: ٦٣] . وقد سأل جبريل ﵇ وهو أعلم الملائكة، بوحي الله النبي ﵌ وهو أعلم البشر بذلك قال: أخبرني عن الساعة. فقال له النبي ﵌: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» (^٢)،
يعني أنت إذا
_________________
(١) أخرجه البخاري كتاب الأدب باب ما جاء في قول الرجل ويلك، (٦١٦٧) ومسلم كتاب البر باب المرء مع من أحب (٢٦٣٩) (١٦١) .
(٢) أخرجه البخاري كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل (٥٠) ومسلم كتاب الإيمان باب بيان الإيمان والإسلام (١) ..
[ ٥٦ ]
كانت خافية عليك فأنا خافية علي، وإذا كان أعلم الملائكة وأعلم البشر لا يعلمان متى الساعة فما بالك بمن دونهما، وبهذا نعرف أن ما يشيعه بعض الناس من أن الساعة تكون في كذا وفي كذا وفي زمن معين كله كذب، نعلم أنه كذب؛ لأنه لا يعلم متى الساعة إلا الله ﷿. ﴿إنما أنت منذر من يخشاها﴾ يعني ليس عندك علم منها ولكنك منذر ﴿من يخشاها﴾ أي يخافها وهم المؤمنون، أما من أنكرها واستبعدها وكذبها فإن الإنذار لا ينفع فيه ﴿وما تغني الايات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾ [يونس: ١٠١] . ولهذا نقول لا تسأل متى تموت ولا أين تموت لأن هذا أمر لا يحتاج إلى سؤال أمر مفروغ منه ولابد أن يكون ومهما طالت بك الدنيا فكأنما بقيت يومًا واحدًا بل كما قال تعالى هنا: ﴿كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها﴾ ولكن السؤال الذي يجب أن يرد على النفس ويجب أن يكون لديك جواب عليه هو على أي حال تموت؟! ولست أريد على أي حال تموت هل أنت غني أو فقير، أو قوي أو ضعيف، أو ذو عيال أو عقيم، بل على أي حال تموت في العمل، فإذا كنت تساءل نفسك هذا السؤال فلابد أن تستعد؛ لأنك لا تدري متى يفجَؤُك الموت، كم من إنسان خرج يقود سيارته ورجع به محمولًا على الأكتاف، وكم من إنسان خرج من أهله يقول هيئوا لي طعام الغداء أو العشاء ولكن لم يأكله، وكم من إنسان لبس قيمصه وزر أزرته ولم يفكها إلا الغاسل يغسله، وهذا أمر مشاهد لكل أحد بحوادث بغتة.
فانظر الان وفكر على أي حال تموت، ولهذا ينبغي لك أن تكثر من الاستغفار ما استطعت، فإن الاستغفار فيه من كل هم فرج، ومن كل ضيق مخرج، حتى إن بعض العلماء يقول إذا استفتاك شخص فاستغفر
[ ٥٧ ]
الله قبل أن تفتيه، لأن الذنوب تحول بين الإنسان وبين الهدى واستنبط ذلك من قول الله ﵎: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيمًا. واستغفر الله إن الله كان غفورًا رحيمًا﴾ [النساء: ١٠٥، ١٠٦] . وهذا استنباط جيد، ويمكن أيضًا أن يستنبط من قوله تعالى: ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم﴾ [محمد: ١٧] . والاستغفار هو الهدى، لذلك أوصيكم بالمراقبة، وكثرة الاستغفار، ومحاسبة النفس حتى نكون على أهبة الاستعداد خشية أن يفجأُنا الموت - نسأل الله أن يحسن لنا الخاتمة ـ. ﴿كأنهم يوم يرونها﴾ أي يرون القيامة ﴿لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها﴾ العشية من الزوال إلى غروب الشمس، والضحى من طلوع الشمس إلى زوالها، يعني كأنهم لم يلبثوا إلا نصف يوم، وهذا هو الواقع لو سألنا الان كم مضى من السنوات علينا؟ هل نشعر الان بأنه سنوات أو كأنه يوم واحد؟ لا شك أنه كأنه يوم واحد. والإنسان الآن بين ثلاثة أشياء: يوم مضى فهذا قد فاته، ويوم مستقبل لا يدري أيدركه أو لا يدركه، ووقت حاضر هو المسؤول عنه، وأما ما مضى فقد فات وما فات فقد مات، هلك عنك الذي مضى، والمستقبل لا تدري أتدركه أم لا، والحاضر هو الذي أنت مسؤول عنه. نسأل الله تعالى أن يحسن لنا العاقبة، وأن يجعل عاقبتنا حميدة، وخاتمتنا سعيدة إنه جواد كريم.
[ ٥٨ ]