* * *
* قالَ الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ: ١٠ - ١١].
* * *
الواو حَرْف عَطْف، ويَجوز أن تَكون للاستِئْناف واللَّام مُوطِئة للقَسَم، و(قد) للتَّحقيق، ومثْلُ هذا التَّركيبِ يَأتي في القُرآن كثيرًا، ويُقال فيه: إنَّ الجُمْلة مُؤكَّدةٌ بثلاثة مُؤكِّدات: القَسَم المُقدَّر، واللَّام، و(قَدْ)، فتَقدير هذه الجُملةِ: "والله لَقَدْ آتَيْنا داود مِنَّا فَضْلًا".
وهل يَجوز أن تُحذَف اللَّام؟
الجوابُ: نَعَمْ يَجوز، قال الله ﷾: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ١ - ٥]، إلى أن قال ﷾: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩]، هذا جوابُ القَسَم، ويَجوز في (قد أفلَحَ مَن زكَّاها) في غير القُرآن أن نَقول: لقَدْ أَفلَحَ.
وهل يَجوز أن تُحذَف اللَّام و(قَدْ)؟
الجوابُ: نعَمْ يَجوز، كقَوْله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ [البروج: ١ - ٤]، فـ (قُتِلَ) هذا جوابُ القَسَم
[ ٨٥ ]
ليس فيه (قَدْ) ولا اللَّام.
فصار جوابُ القَسَم إذا كان فِعْلًا ماضِيًا جاز فيه ثلاثةُ أَوْجُهٍ: أن يَقتَرِن باللَّام و(قَدْ)، أن يَقتَرِن بـ (قد)، أن تُحذَف منه اللَّام و(قَدْ)، لكن لا تُحذَف اللَّام ولا تُحذَف (قد) في الغالِب إلَاّ إذا طال القَسَم، أمَّا إذا لم يَطُلْ فإنها لا تُحذَف، فإن قُلْتَ: (والله لَقَدْ قام زيدٌ)، فهذا صحيح، وهذا هو الأصل، (والله قَدْ قام زيدٌ)، هذا أيضًا صحيح حَذَفْنا اللَّامَ، و(الله قامَ زيدٌ) هذا أيضًا صحيح حذَفْنا منه اللَّامَ و(قَدْ).
وقوله تعالى: ﴿آتَيْنَا﴾ بمَعنَى: أَعطَيْنا، وهي تَنصِب مَفعولين ليس أَصلُهما المُبتَدَأ والخَبر، وكُلُّ فِعْل يَنصِب مَفعولين ليس أَصلُهما المُبتَدَأَ والخَبرَ يُسمَّى مِن (بابِ أَعطَى وكَسَا)، فهُنا: ﴿آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾، ﴿دَاوُودَ﴾ المَفعول الأَوَّل، و﴿فَضْلًا﴾ المَفعولُ الثاني، ولا يُمكِن أن يَكون هذا مُبتَدَأً وخَبَرًا؛ فلو قُلْتَ: (داودُ فَضْلٌ) فإنه لا يَصلُح، ويُقال: (أتَيْنا) ولكنها يَختَلِف مَعناها عن مَعنَى ﴿آتَيْنَا﴾، بل مَعنَى ﴿آتَيْنَا﴾: جِئْنا، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] أي: جاء أَمْر الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿دَاوُودَ﴾ هو أَحَدُ أَنبياءِ بَني إِسرائيلَ ﵈، وهو بعدَ مُوسى قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، وفي القِصَّة أن دَاودَ كان مِنهم، إِذَنْ فهو بعد مُوسى، وهو نَبيٌّ من الأَنْبياء، وقد أَنكَرَتِ اليَهود -لَعْنةُ الله عليهم- كَوْنَه نَبِيًّا، ووَصَفوه بأنه مَلِك، وقد كذَبوا في ذلك، فإنه كان نَبِيًّا من أنبياء الله تعالى الذين يَجِب علينا أن نُؤمِن بهم، ولا يَتِمُّ إيمانُنا إلَاّ بالإيمان بهم؛ لأنَّ أَرْكان الإيمان كما نَعلَم:
[ ٨٦ ]
الإيمانُ بالله تعالى، ومَلائِكَته، وكُتُبه، ورُسُله، وهو أيضًا رسولٌ؛ لأن كلَّ نَبيٍّ ذُكِر في القُرآن فهو رَسولٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾: ﴿مِنَّا﴾ بدَأَ بالجِهة قبلَ الفَضْل؛ ليَتبَيَّن عِظَم ذلك الفَضلِ؛ لأن الشيءَ إذا نُسِب إلى جِهة عظيمة كان عَظيمًا كما في قوله في الحديث الصحيح: "وَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْني" (^١) قال: "مِنْ عِنْدِكَ" فأَضافَها إلى الله تعالى؛ حتى يَتبيَّن في ذلك عِظمُها.
قوله ﷾: ﴿آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ [نبوَّةً وَكِتَابًا]، وهذا الذي فَسَّر المُفَسِّر ﵀ به مِن باب التَّمثيل، فإن الله ﷾ أَعطاه النُّبوَّة والرِّسالة أيضًا، وأَعْطاه الكِتاب قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣]، وهل أَعطاه شيئًا آخَرَ غيرَ هذا؟ نَعَمْ؛ ولهذا نكَّر كلِمة (فَضْل)، جاءَت مُنكَّرة؛ لتَشمَل كُلَّ ما أُعطِيَه من فَضْلٍ؛ سواءٌ كان ذلك دِينِيًّا أو دُنيوِيًّا.
وكان داودُ ﵊ من أَحسَن الناس صوتًا وتَرنُّمًا بالذِّكْر، حتى إن الله أمَرَ الجِبال أَمْرًا إمَّا كَوْنيًّا وإمَّا شَرْعيّا؛ فقال تعالى لها: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ (أوَّبَ) بمَعنَى: (رجَّع)، ومنها (الأوَّاب) أيِ: (الرجَّاع) إلى الله تعالى، ومنْه (آبَ، يَؤُوبُ، أَوْبًا) بمَعنَى: (رَجَع)، فـ (أَوِّبِي مَعَهُ) أي: رَجِّعي معه، والتَّرجيع مَعناه: أنَّ تُردِّد الصوت الذي يَقوله، فمَثَلًا: إذا قَرَأ سمِعْتَ كأنَّ الجِبال التي حولَه كلها تَقرَأ بقِراءته.
وهذا غَيرُ ما نَسمَعه نحن من الصَّدَى الذي يَحصُل لكل إنسان؛ لأنَّ هذا الصَّدَى الذي يَحصُل لكل إنسان إذا كانت قد أَحاطَتْ به الجِبال هذا أَمْر طَبيعيٌّ،
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام، رقم (٨٣٤)، ومسلم: كتاب الذكر، باب استحباب خفض الصوت بالذكر، رقم (٢٧٠٥)، من حديث أبي بكر الصديق - ﵁ -.
[ ٨٧ ]
لكن هذا الذي أُوتيَه داودُ ﵇ فوقَ ذلك، فكانت الجِبال تُرجِّعُ معه؛ وذلك لحُسْن صَوْتِه، ونَغَماته؛ حتى إنَّ الجبال تُرجِّع معه بأَمْر الله ﷾.
﴿وَالطَّيْرَ﴾ الطَّير يَقول: [بِالنَّصْبِ؛ عَطْفًا عَلَى مَحَلِّ الجبَالِ]، لأنَّ (يَا جِبَالُ) هذه مُنادَى مَبنِيٌّ على الضَّمِّ في مَحَلِّ نَصب، وإنما بُنِيَ على الضَّمِّ وهو نَكِرة؛ لأنه مَقصود، والنَّكرة المَقصودة بمَعنَى العَلَم، فلهذا بُنِيَت على الضَّمِّ.
﴿وَالطَّيْرَ﴾ لو عُطِفَت على اللَّفْظ ﴿يَاجِبَالُ﴾ لكانت مَرفوعةَ مَبنِيَّةَ على الضَّمِّ؛ لكنها عُطِفت على مَحَلِّ الجِبال وهو النَّصْب، يَعنِي: وكذلك أَمَرَ الله تعالى الطَّيْر بأن تُرجِّع معه، فكانت الطيور في جَوِّ السماء تَقِف عند سَماع قِراءة داودَ ﵊ فتُرجِّع معه.
وأنت إذا تَصوَّرْتَ هذا الأمرَ وأنَّ رجُلًا يَقرَأ الزبورَ بتِلْك القِراءةِ والنَّغَماتِ الجميلةِ ثُم الطُّيورُ من فوقُ تُسبِّح والجِبال؛ لا شكَّ أنه مَشهَد عَظيم ورَهيب، فكل شيء يَقرَأ بقِراءة هذا الرجُلِ بأَمْر الله! .
وقوله ﵀: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [فَكَانَ في يَدِهِ كَالْعَجِينِ] أي: جَعَلْناه لَيِّنًا بيَدِه حتى إنه كالعَجين في يَدِ أَحَدِنا، وهل المُرادُ أن الله تعالى أَلانَه له بالوسائِل التي تُلَيِّنُ الحديدَ سُخِّرت له وهُيِّئَت له، أو أن الله تعالى أَلانَ له الحديد بغَيْر السبب المَعلوم؟
الجوابُ: يَرَى بعض الناس أنه الأَوَّل؛ وأنَّ المُراد بقَوْله ﷾: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ أي: يَسَّرْنا له الأسباب التي تُلين ذلك الحديدَ؛ لأنَّ تَيسير الأسباب لا شَكَّ أنَّه من نِعْمة الله ﷾، أرَأَيْتَ لو أنَّك تُريد أن تُعكِف سِيخًا من الحديد وعندك نارٌ ضَعيفة فإنك تَتعَبُ في ذلك، لكن لو كان عِندك نارٌ قوِيَّة جِدًّا
[ ٨٨ ]
كان في خِلال دقائِقَ قليلةٍ يَلين هذا الحديدُ كما تَشاءُ. فيَرَى بعضُ العُلَماءِ ﵏ أنَّ المُراد من تَلْيِين الحديد لداوُدَ ﵇ تَيسير
الأسباب التي يُسرِع بها لِينه.
ولكن بعض أهل العِلْم ﵏ يَقول: إن الله تعالى أَلانَ له الحديدَ بغير سبَبٍ، بل بقُدْرة الله، وجعَلَ الله تعالى ذلك آيةً له؛ كما جعَلَ الله عصا مُوسى إذا نزَلَتْ في الأرض كانت حيَّةً، وإذا رَفَعها صارت عَصًا في آنٍ واحِدٍ وفي لحظة واحِدة، فالله تعالى على كُلِّ شيءٍ قديرٌ، والذي جعَل الحديد صُلْبًا قادِرٌ على أن يَجعَله لَيِّنًا.
وعندي أن هذا أقربُ إلى المعنى، أوَّلًا: لأنَّ الله ﷾ قال: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ﴾ فجَعَل التَّليين مُضافًا إليه؛ إشارةً إلى أن لينَ هذا الحديدِ بمُجرَّد القُدْرة، وكونُنا نَقولُ: إن هذا بأسبابٍ عادِية لكنها يُسِّرَت له. هذا خِلاف ظاهِر الآية، ثُم لو قُلْنا بهذا القولِ هل تَكون هذه آيةً له؟
الجوابُ: لا؛ لأن كل مَن تَيسَّر له أسبابُ إِلانةِ الحديد أَلانَ الله ﷾ له الحديدَ.
فأَلانَ الله تعالى له الحديدَ حتى صار بيَدِه مِثْلَ العَجين يَقدِر على أن يُدوِّره، على أن يَجعَله دقيقًا، على أن يَجعَله غَليظًا حَسْبما يُريد؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾، هذه هي الحِكْمة من كون الله تعالى أَلانَ له الحديدَ أن يَعمَل منه الدُّروع للمُجاهِدين في سبيل الله تعالى.
وقول المُفَسِّر ﵀: [وَقُلْنَا ﴿أَنِ اعْمَلْ﴾] أمَّا ﴿أَنِ﴾ مَصدرية عُرِف عامِلُها، والتَّقديرُ: [وَقُلْنَا] ﴿أَنِ اعْمَلْ﴾] أي: بـ (أَنِ اعْمَلْ) أَيْ: بالعمَل، ويُحتَمَل أن تَكون (أَنْ) تَفسيريةً؛ وأن نُقدِّر المحذوف بـ (أَوْحَيْنا) و(أَوْحَيْنا إليه أنِ اعْمَلْ)؛ لأنَّ (أَن)
[ ٨٩ ]
التَّفسيرية هي التي سبَقَها مَعنَى القَوْل دون حُروفه.
وهذا أقرَبُ من تَقدير المُفَسِّر ﵀، (وأَنِ اعْمَلْ) أي: وأَوْحَيْنا إليه أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ.
واعْمَلْ بمَعنَى: اصْنَعْ، قال ﵀: [مِنْهُ] أيْ: مِنَ الحَديد ﴿سَابِغَاتٍ﴾ فسرَها المُفَسِّر ﵀: [دُرُوعًا كَوَامِلَ يجرُّهَا لَابِسُهَا عَلَى الْأَرْضِ]، وأَفادَنا بقَولِه: دُروعًا. أَفادَنا بأنَّ ﴿سَابِغَاتٍ﴾ صِفة لمَوصوفٍ مَحذوفٍ، وهذا المَحذوفُ تَقديرُه: دُروعًا، وحَذْفُ المَوْصوفِ جائزٌ، قال ابنُ مالِك ﵀ (^١):
وَمَا مِنَ المَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ يَجُوزُ حَذْفُهُ وَفي النَّعْتِ يَقِلّ
والسابغُ من كُل شَيْء هو الكامِل الضافي التَّامُّ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠]، أَيْ: أَتمَها وأَكمَلها، ومنه: إِسْباغُ الوضوء أي: إِتمْامه وإِكْماله.
فهذه الدُّروعُ السابِغاتُ؛ يَعنِي: الوافِيات الكوامِل التي تمَنَع لابِسَها مِن أن يَنالَه أَذًى، وأمَّا قول المُفَسِّر ﵀: [يجرُّها لابِسُها على الأَرْض] ففي هذا نظَرٌ؛ لأنه ليس هناك حاجة إلى أن يجرَّها على الأرض؛ ولأَنَّها إذا بلَغَتْ إلى هذا المُستَوى فرُبَّما تُعيق من الكَرِّ والفَرِّ، والمَعروف أن الدُّروع تَصِل إلى الرُّكْبة فقَطْ، هذا غايَتُها؛ لأنها حَديد، وإذا لبِسَ الإِنْسان حَديدًا يَصِل إلى الأرض فإنه سيَكون مُكبَّلًا بالأَغْلال، فالواجِب أن نَقول: "سابِغاتٍ أَيْ: كامِلات، ليس فيها نَقْص". وكَمال كل شَيْءٍ بحَسَبه.
_________________
(١) الألفية (ص: ٤٥).
[ ٩٠ ]
وقوله ﵀: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ أي: [نَسْجُ الدُّرُوعِ قِيلَ لِصَانِعِهَا: (سَرَّادٌ) أَيِ: اجْعَلْهُ بِحَيْثُ تَتَنَاسَبُ حِلَقُهُ]، ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ السَّرْد مَعناه: نَسْج الدُّروع، كما يُنسَج الثَّوْب من القُطْن ومن الصُّوف: يُنسَج الدِّرع من الحَديد.
ومَعنى (تَقدير السَّرْد) أَيِ: اجْعَلْ هذا السَّرْدَ أيِ: النَّسْج مُقدَّرًا مُتَناسِبًا، من التَّقدير وهو: أن تَجعَل الحلقاتِ مُتَناسِبةً ما تَأتي بحَلقة كبيرة وحَلقة صغيرة، ومنها ألَّا تَجعَل الحلقاتِ ضيِّقةً؛ لأنه إذا كانت ضَيِّقةً وقَفَ الدِّرْع ولم يَكُن سَهْلَ الحرَكة، ولا تَجعَلْها واسِعة جِدًّا؛ لأنك إذا جعَلْتَها واسِعةً جِدًّا لا تَقِي، ثُم هي تَكبَر إذا جعَلْتها واسِعة جِدًّا كَبُرت وآذَتِ اللَّابِس، ولكِنِ اجْعَلْها مُقدَّرة مُتَناسِبة.
والدُّروع عِبارةٌ عن قُمُصٍ من حديد، قميصٌ تَلبَسه كما تَلبَس الثَّوْب، إلَاّ أنَّه لا يَصِلُ كُمُّه إلى الكَفِّ، كُمُّه إلى العَضُد فقَطْ، وهذه الدِّرْعُ مَنسوجة مِنْ حِلَق حَديدٍ صغيرةٍ مَشبوكة بعضُها ببعض، مُداخَلة بَعضُها في بعض حتى يَتِمَّ النَّسْج، وهي مَوْجودة وتُوجَد عند مُتحَف أهل البَلَد، وأمَّا ما يُمسَك باليد حتى يُتَّقى به الرُّمْحُ فهذا يُسمَّى تُرسًا.
وقوله تعالى: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ مَعنَى التَّقدير في السَّرْد: أن تَكون الحَلقات مُتَناسِبة، وألَّا تَكون ضَيِّقة ولا واسِعة؛ لأنها إذا لم تَتَناسَب فإنها تُؤذِي، تَكون واحِدةٌ صغيرةً وواحِدة كبيرةً، وإذا كانت واسِعة فإنها تُؤذِي وقد لا تَقِي السِّهام، وإذا كانت ضيِّقة فإنها لا تَتَحرَّك كما يَنبَغي وَيثقل على اللَّابِس.
وقوله المُفَسِّر ﵀: [﴿وَاعْمَلُوا﴾ أَيْ: آلَ دَاوُدَ مَعَهُ ﴿صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فَأُجَازَيكُمْ بِهِ] لمَّا بيَّن الله بما منَّ به على داودَ ﵇ مِن تعليم صَنْعة الدُّروع
[ ٩١ ]
وتَلْيِين الحديد له، وتَوْجيهه كيف يَصنَع هذه الدُّروعَ قال تعالى: ﴿وَاعْمَلُوا﴾ [أيْ: آلَ دَاوُدَ مَعَهُ].
وقوله تعالى: ﴿وَاعْمَلُوا﴾ كيف عَدَل عن ضَمير المُفرَد: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ إلى ضَمير الجمْع ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾؛ لأنَّ تَقدير السَّرْدِ خاصٌّ بداوُدَ ﵇، والعمَلُ الصالِحُ عامٌّ له ولغيره، فوجَّهَ الخِطاب إلى جميع آل داوُدَ ﵇ قال ﷾: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿صَالِحًا﴾ هو صِفة لمَوْصوف مَحذوف، والتَّقديرُ: عمَلًا صالِحًا، والعمَلُ الصالِح ما جمَع وَصْفين: الإخلاص لله تعالى، المُوافَقة لشَريعته، فلا بُدَّ فيه من هَذَيْن الشَّرْطين، فإن فُقِد الإخلاصُ فليس بصالِحٍ لوُجود الشِّرْك؛ وقد قال الله ﷾ في الحديث القُدسيِّ: "أنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي ترَكته وَشِرْكَهُ" (^١).
والشَّرْطُ الثاني: المُوافَقة لشريعة الله تعالى، فإن لم يُوافِقْ شَريعة الله تعالى فإنه ليس بصالِح ولا يُقبَل؛ والدليل قوله - ﷺ -: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" (^٢)، وقوله ﷾: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، فلا بُدَّ لقَبول العمَل الصالِح من هَذين الشَّرْطين.
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ هذه الآيةُ فيها تَقديمٌ وتَأخيرٌ، فقوله تعالى: ﴿بَصِيرٌ﴾ هو المُؤخَّر، والمُقدَّم المَعمول، فإن قُلْتَ: من القَواعِد المُقرَّرة أنَّ
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الزهد، باب من أشرك في عمله غير الله، رقم (٢٩٨٥)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) أخرجه مسلم: كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور (١٧١٨)، من حديث عائشة - ﵂ -.
[ ٩٢ ]