﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ قال المؤلف (^١) -رحمه الله تعالى-: [سورة (ص) مكية] والقرآن الكريم مكي ومدني، وأصح الأقوال في تمييز المكي من المدني: أن ما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعدها فهو مدني وإن نزل في غير المدينة، فالحد الفاصل زمني وليس مكاني، فما بعد الهجرة مدني وما قبلها مكي.
قال: [ستٌّ أو ثمانٌ وثمانون آية] والآيات هي عبارة عن الفواصل التي تكون بين جملة أو جملتين فأكثر، وسُمِّيت آية لأنها
_________________
(١) أخي الكريم: إذا مر بك: قال المؤلف، فالمراد به جلال الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد المحلي رحمه الله تعالى، المتوفى سنة ٨٦٤ هـ. في تفسيره المسمى "تفسير الجلالين"، وقد جعلت كلامه -﵀- بين معكوفتين هكذا [].
[ ٧ ]
معجزة، فإن القرآن -كما سبق- قد تحدى اللهُ فيه الناسَ أن يأتوا بحديث مثله وإن قَلَّ.
قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هذه البسملة آية من كتاب الله يؤتى بها في ابتداء كل سورة إلا سورة براءة فإنه لا يؤتى بها، وذلك أن الصحابة ﵃ لما كتبوا المصحف أشكل عليهم هل براءة بقية الأنفال. أو هي سورة مستقلة؟ فوضعوا فاصلًا دون بسملة؛ لأنه لو جزموا بأنها من الأنفال لم يضعوا فاصلًا، ولو جزموا بأنها مستقلة لوضعوا البسملة، ولكن هذا الاجتهاد منهم نعلم أنه هو المطابق للواقع، وأنهم مصيبون فيه قطعًا، وذلك لأن البسملة لو نزلت بين الأنفال وبراءة لبقيت، لأن الله يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩] فلما لم تبق باجتهادٍ من الصحابة عُلِم أنهم كانوا مصيبين للواقع.
والبسملة جار ومجرور، ومضاف إليه، وصفة، أي: نعت. والقاعدة النحوية: أن كل جار ومجرور لا بد له من متعلَّق، أي: من شيء يتعلق به، والشيء الذي يتعلق به الجار والمجرور هو العامل، والجار والمجرور معمول، ولهذا قال ناظم الجمل:
لا بد للجار والمجرور من التعلّق بفعل أو معناه نحو مرتقي
واستثنى كل زائد له عمل كالباء ومن والكاف أيضًا ولعل
[ ٨ ]
فكل حرف أصلي غير زائد فلا بد له من متعلق بفعل، أو بما كان بمعنى الفعل، كاسم الفاعل واسم المفعول. إذًا البسملة لا بد لها من متعلَّق، فما هو هذا المتعلَّق؟ أصح ما قيل في متعلَّق البسملة أنه فعل متأخر مناسب للمقام، فإذا كنت تريد أن تقرأ كان التقدير بسم الله أقرأ، وإذا أردت أن تأكل كان التقدير بسم الله آكل، وإذا أردت أن تذبح ذبيحة كان التقدير بسم الله أذبح. ولهذا قال الرسول - ﷺ - وهو يخطب في الناس يوم النحر: "من لم يذبح فليذبح باسم الله" (^١) وإنما ويقدّر فعلًا لأن الأصل في العمل هو الفعل، ولذلك يعمل في معموله بدون شرط، وأما اسم الفاعل واسم المفعول واسم التفضيل والمصدر فلا يعمل إلا بشرط.
ونقدِّره متأخرًا فنقول: بسم الله أقرأ لسببين:
السبب الأول: التبرك بالبداءة باسم الله.
والسبب الثاني: إفادة الحصر، لأن تأخير العامل يفيد الحصر، فإن من طرق الحصر: تقديم ما حقه التأخير، وقدرناه مناسبًا للمقام؛ لأنه أدلّ على المقصود مما لو قدرناه فعلًا عامًّا كما لو قيل: إن التقدير باسم الله أبتدئ، أو بسم الله أبدأ؛ لأن بسم الله أبدأ أو أبتدئ لم تعين الفعل الذي ابتدأت به، فالحاصل أننا نقدر المتعلَّق في البسملة أنه فعل متأخر مناسب للمقام.
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب العيدين، باب كلام الإمام والناس في خطبة العيد (٩٨٥)، ومسلم، كتاب الأضاحي، باب وقتها (١٩٦٠).
[ ٩ ]
الفوائد:
١ - من فوائد هذه الآية: أنه ينبغي الابتداء بها في الأمور الهامة، ولهذا يبتدئ الله بها كل سورة إلا براءة، ومن المعلوم أن السورة من الأمور الهامة، وجاء في الحديث عن الرسول - ﷺ - أنه قال: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر" (^١) والحديث حسن.
٢ - ومن فوائدها: إثبات الألوهية لله في قوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾.
٣ - ومن فوائدها: إثبات أسماء الله لقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ وهذا مفرد مضاف فيعم كل اسم لله ﷿، ولهذا يفسرها بعض المفسرين بقولهم: أي: بكل اسم من أسماء الله أبتدئ.
٤ - ومن فوائدها: التبرك بذكر اسم الله ﷿، فتكون أسماء الله مما يدعى الله به لقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] ومما يتبرك به ويستعان به؛ لأنها تقدم بين يدي الأمور الهامة.
وإذا أردت أن تعرف مدى بركة هذه التسمية فانظر إلى الذبيحة يُسمّى عليها فتكون طيبة حلالًا، ولا يسمّى عليها فتكون خبيثة حرامًا مع أن الذابح واحد، والآلة المذبوح بها واحدة، ومكان الذبح واحد، وإنهار الدم واحد، كل شيء واحد، لكن لما فقدت التسمية صارت خبيثة ميتة لا يحل أكلها، فإذا سُمِّي عليها صارت طيبة.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" ١٤/ ٣٢٩ (٨٧١٢)، وأبو داود (٤٨٤٠).
[ ١٠ ]
وإذا أتى الرجل أهله فقال: "بسم الله اللهم جَنِّبْنا الشيطانَ، وجَنِّب الشيطان ما رزقتنا، فإنه، إنْ يقدر بينهما ولد في ذلك لم يَضُرَّه الشيطانُ أبدًا" (^١) وإنْ لم يُسمِّ بهذه التسمية كان عُرْضَة لأن يصاب ولده بالشيطان ويضر به.
٥ - من فوائد الآية الكريمة: إثبات الرحمة لله في قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وأنها رحمة واسعة لقوله: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ لأن الرحمة صفة تدل على السعة والامتلاء.
٦ - ومنها: إثبات الأسماء الثلاثة لله، وهي: الله والرحمن والرحيم.
* * *
قال الله ﷿: ﴿ص﴾ قال المؤلف: [الله أعلم بمراده به] وذلك لأن كلمة (ص) حرف هجائي لا يدل على معنى في اللغة العربية، فذهب جماعة من العلماء إلى أن هذه الحروف الهجائية التي ابتُدِئتْ بها بعضُ السور رموز إلى معاني، وعيَّنها كل إنسان بما يرى أنه مناسب. وذهب آخرون إلى أنها أسماء من أسماء الله، أو من أسماء الرسول - ﷺ -، وذهب آخرون إلى ما ذهب إليه المؤلف، بأنها مجهولة المعنى، لا ندري ما معناها، ولكن القول الراجح ما ذهب إليه إمام المفسرين في عهده مجاهد -﵀- أن نقول: ليس لها معنى، وذلك لأن الله تعالى يقول: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣]، واللسانُ العربي لا
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب النكاح، باب ما يستحب أن يقوله عند الجماع (١٤٣٤).
[ ١١ ]
يُثبِت معنىً لهذه الحروف الهجائية، وعلى هذا فتكون هذه الحروف الهجائية مثل ن، ق، ص، الم وما أشبهها ليس لها معنى في اللغة العربية، إذًا ليس لها معنى في القرآن، لأن القرآن باللغة العربية. ولكن يشكل على هذا القول مع رجحانه أنه يقتضي أن يكون في القرآن كلمات لغو ليس منها فائدة!
والجواب عن هذا أن نقول: هي ليست لغوًا في سياقها، فإنها جاءت لمغزىً عظيمٍ، وهذا المغزى أن هذا القرآن العظيم الذي أعجز فصحاء اللغة وأمراء البيان لم يكن بحروف غير مألوفة عندهم حتى يقولوا: لا نعرف هذه الحروف، بل كان بالحروف التي يتكون منها كلامهم.
قال الذين ذهبوا هذا المذهب: ودليل ذلك أنك لا تكاد ترى سورة مبدوءة بحرف هجائي إلا وجدتَ بعد هذا الحرف ذكر القرآن ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١ - ٢]، ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٢]، ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: ١]، فكل سورة مبدوءة بهذه الحروف الهجائية يأتي بعد الحروف الهجائية ذكرُ القرآن، ما عدا قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ١ - ٣]، و﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ
[ ١٢ ]
أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٢]، ويمكن أن يُجاب عن ذلك بأن يُقال:
أما قوله: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ فلأنه ذكر صفة عظيمة من صفات مَن تمسك بالقرآن وهي الصبر على الأذى في ذات الله.
وأما الثانية: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ فقد ذكر شيئًا من خصائص الوحي، وهو علم الغيب، فإن كون الروم غُلِبت الآن وستَغلِب في بضع سنين، من الأمر الذي لا يعلمه إلا الله ﷿، وهو من خصائص الوحي، وسواء كان هذا الجواب سديدًا مقبولًا أم لم يكن، فإن النادر لا حكم له.
قال الله تعالى: ﴿ص﴾ نقول فيها: "ص" حرف هجائي ليس له معنى، لكن جيء به للإشارة إلى أن هذا القرآن الكريم الذي أعجز العرب كان من هذه الحروف التي يتركب منها كلامهم.
﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ الواو هنا: حرف قسم ولهذا جَرَّت الكلمة التي بعدها "القرآن". والواو حرف قسم لا تدخل إلا على الاسم الظاهر، ولا يُذكر معها فعل القسم، بخلاف باء القسم، فإنها تدخل على الاسم الظاهر، وعلى الضمير، ويُذكر معها فعل القسم، ويحذف، وتدخل على كل اسم. قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] فذكر معها فعلُ القسم. وتقول: ربي به لأفعلنَّ، أو أقسم به لأفعلن، فهنا دخلت على الضمير. أما التاء فهي أخص أدوات القسم، لا تدخل إلا على لفظ الجلالة "الله"،
[ ١٣ ]
ولا يُذكر معها فعلُ القسم. وقيل: تدخل على لفظ الجلالة "الله" وعلى "ربّ" قال ابن مالك: والتاءُ لله وربِّ، وأكثر ما يقسم اللهُ به الواو، وذلك لأنها الأكثر على الألسن، فجاءت الأكثر في القرآن. ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ذي بمعنى صاحب، وهي مجرورة، لكنها مجرورة بالحرف نيابة عن الكسرة، وقوله: ﴿ذِي الذِّكْر﴾ قال المؤلف: [أي: البيان أو الشرف] يعني أن القرآن ذو ذكر، أي: ذو بيان للناس، يُذكِّرهم ويتذكَّرون به، أو ذو شرف لشرفه وشرف من يعمل به. قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤] فهو ذكر: يُذْكَرُ به ما ينفع الناس في معاشهم ومعادهم. وذكر: يتذكَّر به الناس ويتعظون به، وهو أعظم موعظة. وذكر: أي شرف لمن تمسك به.
قال المؤلف: [وجواب هذا القسم محذوف، إنما قال المؤلف: وجواب هذا القسم؛ لأنه ما من قسم إلا وله جواب. إذ إن القسم أركانه أربعة: مُقْسِم، ومُقْسَم به، ومُقْسَم عليه، وصيغة. فكل قَسَم لا بد فيه من هذه الأركان، والمقسم عليه هو جواب القسم إذن لا بد لكل قسمٍ من جواب، والجواب إن كان مذكورًا فهو معلوم، وإن كان محذوفًا فيعيّنه السياق. قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ [النور: ٥٣] الجواب هنا مذكور ﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾، وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] مذكور، جواب القسم ﴿لَتُبْعَثُنَّ﴾.
وفي هذه الآية قد وجد المُقْسَم به والصيغة ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ والمُقْسِم هو الله ﷿. بقي المُقْسَم عليه، وهو جواب القسم.
[ ١٤ ]