١١ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على هؤلاء المكذبين للرسول ﵊ أن يعتبروا بمن سبقهم، لقوله: ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)﴾ أي: هم جند حقيرون مهزومون كما هُزم غيرهم من الأحزاب. قالت عاد: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] فقال الله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥].
* * *
ثم قال تعالى: [﴿جُنْدٌ مَا﴾ أي: هم جند حقير ﴿هُنَالِكَ﴾ أي: في تكذيبهم لك ﴿مَهْزُومٌ﴾ صفة جند ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)﴾ صفة جند أيضًا] ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ﴾ جند: خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هم جند، وما: نكرة واصفة، لأن "ما" لها عشر معانٍ جمعت في قول الشاعر:
محامل ما عشر إذا رُمْتَ عَدَّها فحافظْ على بيتٍ سليم من الشِّعرِ
ستفهم شرط الوصل فاعجب لنكرها بكفٍّ ونفيٍ زِيدَ تعظيمِ مصدرِ
نوضح ذلك: ستفهم: استفهامية، شرط: شرطية، الوصل: موصولة، فاعجب: تعجبية، لنكرها: نكرة سواء واصفة أو موصوفة، بكف: كافة، ونفي: نافية، زيد: زائدة، تعظيم: للتعظيم، مصدر: مصدرية.
[ ٥٨ ]
﴿جُنْدٌ مَّا﴾ قال المؤلف: [هم جند حقير] فعلى هذا تكون "ما" هنا واصفة، يعني موصوف بها، لكن المراد بهذا التحقير، والدليل على ذلك التحقير قوله: ﴿مَهْزُومٌ﴾ والمهزوم حقير.
وقوله: ﴿هُنَالِكَ﴾ هنا إشارة للمكان، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، هنالك، أي: في ذلك المكان، المؤلف يقول: [أي: في تكذيبهم لك] فجعل الظرفية المكانية هنا التكذيب، ولكن يبدو أن الأمر على خلاف ما قال المؤلف ﵀، وأن المشار إليه المكان الحسي، لا المكان المعنوي، أي: أنهم إن ارتقوا في الأسباب، فسوف يهزمون، فيكون هنالك، أي: في المكان الذي يرتقون إليه، فإذا قدر أنهم ارتقوا إلى السماء فهل ستكون لهم الغلبة؟ أبدًا بالعكس، حتى لو ظنوا أنهم لو وصلوا إلى السماء، وصعدوا إلى السماء أنهم انتصروا، وصارت لهم العزة فالأمر بالعكس. هذا هو الذي يظهر من الآية الكريمة. أما جعل الظرف هو التكذيب فهذا بعيد، بل التكذيب سبب للخذلان.
﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾ (مهزوم) يقول المؤلف: [صفة جند] صفة ثانية والأولى "ما" و﴿مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)﴾ صفة جند أيضًا، يعني جند من الأحزاب مهزوم.
واعلم أنه إذا تكررت الصفة للنكرة فإن ما بعد الصفة الأولى يجوز أن يكون حالًا، فإذا قلت: مررت برجل عظيمٍ كريم شجاع، جاز لك أن تقول: مررت برجل عظيم كريمًا شجاعًا، ولكن الأولى أن تكون صفة، أي: نعتًا؛ لتناسق الكلام، وكونه على وتيرة واحدة،
[ ٥٩ ]