فهنا عندنا ثلاث صفات لجند: "ما" و"مهزوم"، و"من الأحزاب"، ما الذي يجوز أن يكون منصوبًا على الحال؟ مهزومٌ، لكن لا يمكن هنا لأن حركة الإعراب ظهرت على أنه مرفوع، صفة، وكذلك من الأحزاب مثله يعني يجوز أن يكون صفة وهو الأصل، ويجوز أن نجعله في موضع نصب على الحال.
قال المؤلف ﵀: [أي: كالأجناد من جنس الأحزاب المتحزبين على الأنبياء قبلك، وأولئك قد قهروا وأهلكوا فكذلك نهلك هؤلاء] يعني أن هؤلاء جند من الأجناد الأخرى، والأجناد الأخرى الأحزاب الذين كذبوا الرسل كان مآلهم الهلاك والدمار، وقد مر علينا في أول السورة: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾.
ثم بدأ الله ﷿ الإشارة إلى قصة أولئك الأجناد أو أولئك الأحزاب فقال ﷿: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ أي: قبل الذين كذبوك من قريش ومن اليهود وغيرهم ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ ونوح هو أول رسول أرسله الله ﷿ بدلالة القرآن والسنة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد: ٢٦] ولو كان أحد قبل نوح لخرج من ذريتهما، وبه نعرف أن ما يوجد من شجرة الأنبياء التي كتب فيها أن إدريس قبل نوح خطأ، فإن إدريس بعد نوح بلا شك، أما السنة فصريحة في ذلك فإنه ثبت في حديث الشفاعة الطويل "أن الناس يأتون إلى نوحٍ فيقولون له: أنت
[ ٦٠ ]
أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض" (^١) وهذا صريح، وبه أيضًا نعرف أن ما يذكر في كتب التاريخ من أن إدريس جد لنوح فهو خطأ بلا شك، فإدريس فيما يظهر -والعلم عند الله- من أنبياء بني إسرائيل.
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ نوح ﵊ بعث إلى البشر حين اختلف الناس، وكان الناس في الأول على ملة واحدة، فاختلفوا، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] أرسله الله إلى قومه، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، وهو يدعوهم إلى الله، ويأتيهم بالآيات، ويتحداهم، ولكنهم -والعياذ بالله- كلما دعاهم ازدادوا عتوًا ونفورًا، قال تعالى: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح: ٧] ولما أذن الله تعالى بهلاكهم دعا نوح ربه ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠] فانتصر الله له ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١١ - ١٤] وأمره الله أن يحمل معه مَنْ آمن من قومه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠].
فتصوروا أيها الدعاة كيف لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا وهو رسول، والناس لم يكثروا بعد، ومع ذلك ما آمن معه إلا قليل، حتى أحد نسله قد كفر به وهو ابنه الذي كان من المغرقين.
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥] (٣٣٤٠)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (١٩٤) (٣٢٧).
[ ٦١ ]