نفسه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٩٨] و﴿وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨].
* * *
قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥)﴾ ينظر إذا تعدت بـ "إلى" فهي نظر العين، وإن جاءت متعدية بنفسها صارت بمعنى الانتظار، وإن جاءت مطلقة فهي على حسب السياق، يعني إذا جاءت غير مقيدة بحرف جر، ولا مقيدة بمفعول، فهي على حسب السياق، مثال التي قيدت بـ "إلى" قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] فإن ناظرة هنا بمعنى باصرة بالعين؛ لأنها تعدت بـ "إلى" وأضيفت إلى الوجوه أيضًا التي هي مكان العيون، وإذا جاءت متعدية بنفسها فإنها تكون بمعنى الانتظار، ومنه قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] وقد تأتي متعدية ويكون المراد بها نظر العبرة والتفكر كما في قوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] وإن جاءت مطلقة غير متعدية بنفسها ولا بـ"إلى" فهي بحسب السياق، مثل قوله تعالى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٢٣] منهم من قال: ينظرون بمعنى ينتظرون النعيم الذي يُؤتى به إليهم، ومنهم من قال: ينظرون، أي: ينظرون إلى ما أنعم الله به عليهم، ومنه النظر إلى وجه الله.
[ ٧٣ ]
﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً﴾ متعدية بنفسها، فهي بمعنى ينتظر، أي: ما ينتظر هؤلاء، أي كفار أهل مكة، كما قال المؤلف: [أي: كفار مكة] ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ يصاح بهم، واحدة لا تعاد مرة أخرى، كما قال الله تعالى: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦]، وقال أيضًا: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٠]، وقال: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣] فالصيحة هي التي تكون يوم القيامة، كما قال المؤلف: [هي نفخة القيامة تحل بهم العذاب] وهي الساعة، هذه الصيحة الواحدة ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥)﴾ [بفتح الفاء وضمها، أي: رجوع].
﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥)﴾ ما: نافية، وليست هنا حجازية لاتفاق التميميين والحجازيين على عدم عملها، لأن الحجازيين يعملونها بشرط الترتيب، أي: تقدم الاسم على الخبر، وهنا لم يتقدم الاسم على الخبر، بل تأخر، فهي إذًا نافية، ولها: جار ومجرور خبر مقدم. و﴿مِنْ فَوَاقٍ﴾ من: حرف جر زائد للتأكيد، و﴿فَوَاقٍ﴾ مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. أما من حيث التصريف قال المؤلف: [إنها بفتح الفاء وضمها] فَواق وفُواق، ومعناه الرجوع وقيل: معناه الإمهال، يعني إنها لا تمهلهم، بل تأخذهم بسرعة، وقيل: إنها إن كانت فَواق فهي بمعنى الرجوع لأنها من أفاق يفيق إذا رجع إلى عقله، وإذا كانت فُواق فهي بمعنى الإمهال مأخوذ من قولهم: فُواق الناقة، وفُواق
[ ٧٤ ]
الناقة: هو ما بين الحَلْبتيْنِ أو ما بين الرَّضْعَتيْنِ. ما بين الحلبتين إذا كانت تُحلب، وهي مدة وجيزة، مثاله: يعصر الإنسان الثدي ثم يتوقف ثم يعود ويعصره، فالمدة بين الحلبتين قليلة، وكذلك بين الرضعتين. الطفل الرضيع إذا كان يرضع ثدي الأم، يمص ثم يمص. وهم يطلقون هذا على سرعة الشيء وعدم إمهاله، ويمكن أن نقول: إن القراءتين تجمعان المعنيين، فيكون معنى ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥)﴾ أي: ما لها من رجوع ولا إمهال.
الفوائد:
١ - في هذا أشد التهديد للمكذبين لرسول الله - ﷺ -، ولازم ذلك إثبات رسالته - ﷺ -، ووجه أن الله توعد المكذبين له، ولولا أن رسالته حق لكان الوِعيد عليه هو كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧] الله أكبر، انظر إلى هذا الأسلوب الشديد للآيات الموجهة للرسول ﵊ ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ بالقوة، ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ حتى لا يبقى به حياة. والوتين هو عرق يتصل بالقلب إذا قطع مات الإنسان فورًا ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ هذا وهو الرسول - ﷺ -، لو تقول على الله كلمة واحدة لأخذه الله باليمين، فكيف بالذين يتقولون على الله كلمات، ولا يبالون أن يقولوا: قال الله، وهو لم يقل.
ولهذا كان الإِمام أحمد - ﵀ - من ورعه لا يمكن أن يقول: هذا حرام إلا إن كان قد نص على تحريمه، وإلا تجده يقول:
[ ٧٥ ]
أكره هذا، أو لا يعجبني، أو لا يفعل، أو تركه أحب إليّ أو ما أشبه ذلك، ولكن كان إمامًا، وصار الناس يتداولون هذه الكلمات ويحللونها، هل إذا قال: لا تعجبني، يعني التحريم أو الكراهة، ثم بدأ الناس يتلقون كلامه ويحللونه، لأنه - ﵀ - خاف الله واتقاه فجعل الله لكلماته نورًا، بخلاف الذين يقولون الآن: الإِسلام يحرم كذا وكذا، وإذا رأيت الإِسلام يحلله، ويمكن أن يوجبه في بعض الأحيان، وهذا يقول: يحرمه الإِسلام، يتكلم واحد معرض للخطأ باسم الإِسلام. وأنت لو قلت: أرى أن هذا حرام، قلنا: هذا رأيك، ويمكن أن تخطئ وتصيب. أما أن تقول: حرّم الإِسلام، وقال الإِسلام، وفعل الإِسلام، فهذه الأقوال خطيرة، لأن أعداء المسلمين إذا أخذوا مثل هذه الأقوال، وقالوا: هذا الإِسلام وكانت تخالف الإِسلام، أخذوا من هذا سببًا للقدح في الإِسلام. والإِسلام بريء منه، لكن بعض الناس يجعل لنفسه منصبًا عاليًا فوق مستواه.
٢ - ومن فوائد هذه الآية: تسلية الرسول ﵊، لأنه إذا قيل له: سنهلك أعداءك، سوف يتسلى.
٣ - ومن فوائد هذه الآية: أن العذاب إذا أخذهم فإنه لن يرجع ولن يتأخر، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥].
* * *
[ ٧٦ ]