وقول المؤلف: [﴿بِالْعَشِيِّ﴾: وقت صلاة العشاء، هذا فيه نظر، والصحيح أن المراد بالعشي آخر النهار، كما قال تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٢]. فالمراد بالعشي آخر النهار، وفي حديث أبي هريرة المشهور بحديث ذي اليدين، قال: صلىَّ بنا الرسول - ﷺ - إحدى صلاتي العشي (^١). يعني الظهر أو العصر.
قال المؤلف: [﴿وَالْإِشْرَاقِ﴾: وقت صلاة الضحى، وهو أن تشرق الشمس ويتناهى ضوؤها] هناك إشراق، وهناك شروق، وبينهما فرق، فالشروق ظهور الشمس، يقال: شرقت الشمس، يعني ظهرت، والإشراق: ارتفاع الشمس حتى يصحو ضوؤها وتكون بيضاء، فالإشراق معناه دخول الشمس في الإضاءة الكاملة البيضاء، والشروق ظهور الشمس، فإذا طلع حاجب الشمس من المشرق، يقال له: شروق، وإذا ارتفعت حتى زادت حمرتها أو صفرتها، يقال: إشراق. ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ أي: بعد أن ترتفع الشمس ويحسن ضوؤها.
﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ قال المؤلف ﵀: [وسخرنا الطير] أفادنا المؤلف أن الطير معطوفة على الجبال. أي: سخرنا الجبال وسخرنا الطير، وليست معطوفة على الضمير المستتر في قوله: ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ على أنها مفعول معه، وقد يقول القائل: يسبحن والطيرَ، كقوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠] فالمؤلف - ﵀ - أفادنا بتقدير:
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد (٤٨٢)، ومسلم، كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة والسجود له (٥٧٣) (٩٧).
[ ٨٩ ]
سخرنا، أن الطيرَ معطوفة على الجبال، وقوله: ﴿مَحْشُورَةً﴾ منصوبة على الحال، يعني والطير حال كونها محشورة.
فإذا قال قائل: لماذا لا تجعلونها صفة للطير؟ قلنا: الذي يمنع من أن تكون صفة أنها لم توافق الموصوف في التعريف، والصفة تتبع الموصوف في التنكير والتعريف، و(محشورة) نكرة، بينما (الطير) معرفة.
﴿مَحْشُورَةً﴾ يقول المؤلف: [مجموعة إليه تُسبِّح معه] لو قال قائل: أليست الحال صفة؟ فلماذا لا نقول: محشورة صفة للطير؟ نقول: هي صفة في المعنى، والخبر خبر مبتدأ صفة للمعنى، وما يعرف بالنعت عند النحويين صفة، لكن لا يلزم من الصفة في المعنى أن تكون صفة له في اللفظ.
قال المؤلف: [﴿كُلٌّ﴾ من الجبال والطير ﴿لَهُ أَوَّابٌ (١٩)﴾ رجَّاع إلى طاعته بالتسبيح]. ﴿كُلٌّ﴾ منونة تنوينًا يُسمّى تنوين العَوض. كلّ وبعض تنوينهما تنوين عوض، وذلك لأنه لا بد من إضافة، ولكن قد يحذف المضاف إليه ويعوض عنه التنوين. كمثل كلّ والتقدير بدون قطع الإضافة: كلهن، أي: الجبال والطير، لأنها لا تعقل، كلهن له أواب، فحذف المضاف إليه وعوض عنه التنوين. قال المؤلف: [من الجبال والطير] هذه بيان للمضاف إليه، يعني أنها على تقدير كلهن، أي: الجبال والطير، ﴿لَهُ﴾ أي: لداود ﴿أَوَّابٌ﴾ أي: رجّاع إلى طاعته بالتسبيح، ويحتمل أن يكون رجّاع بمعنى أن هذه الطيور تذهب وتتعيش ثم ترجع لأجل أن تُؤَوِّب معه، والسياق
[ ٩٠ ]
والمعنى لا يمنعه، فكلٌّ من الجبال والطير أواب إلى داود بمعنى مطيع له، وبمعنى آخر بالنسبة للطير أنها ترجع إليه بعد أن تذهب لتقوم بقوتها ثم تعود إليه.
الفوائد:
١ - بيان أن الأمور كلها بيد الله لقوله: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ﴾ أي: ذللناها، والجبال خلق عظيم لا يستطيع أحد أن يؤثر فيه، ولكن الله تعالى بقدرته يسخرها ويذللها.
٢ - ومن الفوائد أيضًا: أن للجماد إرادة، يدل عليه قوله: ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ لأن التسبيح لا بد أن يكون بإرادة، ويدل على ذلك قوله: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ ويترتب على هذه الفائدة ردُّ قول من يقول: إن قوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] فيه مجاز حيث قالوا: إنه لا إرادة للجدار، ونحن نقول: بل له إرادة، لأن الله تعالى أثبت له الإرادة.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل شيء خاضع لأمر الله، الطير التي تسبح في الهواء خاضعة لأمر الله، وهذا هو ما أكده الله في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ [الملك: ١٩].
٤ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الجبال والطير تسبح مع داود ﵇ وترجّع معه؛ لقوله: ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩)﴾ أي: كل
[ ٩١ ]