بصحيح. أما بعد لا شك أنها تعطي الكلام رونقًا وجمالًا وتفصيلًا، لكن كوننا نجعلها هي فصل الخطاب فيه نظر، والله أعلم.
الفوائد:
١ - من فوائد هذه الآية: أن الله ﷾ قَوَّى ملك داود بما ذكرنا من التقوية المعنوية والحسية.
٢ - ومن فوائدها: أن تقوية المُلْك من أكبر أوصاف المَلِك التي يتمتع بها؛ لأن الله تعالى مَنَّ بها على داود ﵇ في قوله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾.
٣ - ومن فوائدها: الثناء على داود ﵇ بأن الله تعالى مع تقوية ملكه آتاه الحكمة في تصرفه، قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾.
٤ - ومن فوائدها: أن الله تعالى مَنَّ على داود ﵇ بفصل الخطاب، أي: الخطاب الفصل البين الذي يفصل به بين الناس، ويفصل به بين الحق والباطل، وبين الضار والنافع.
* * *
قال الله ﷿: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)﴾ الواو عاطفة والجملة معطوفة على ما سبق لأن الكلام كله في شأن داود، والاستفهام هنا يقول المؤلف: [للتعجب والتشويق إلى استماع ما بعده] يعني أن هذه القصة عجيبة، وأنها لكونها عجيبة مما يشوق إليه، والاستفهام كما نعلم جميعًا تختلف معانيه بحسب السياق، وإلا فإن الأصل فيه أنه الاستخبار عن
[ ٩٦ ]
الشيء، أي: طلب الإفهام عنه، يقال: استفهم عن كذا، أي: طلب الإفهام عنه. هذا الأصل، لكن سياق الكلام يغير المعاني الأصلية إلى ما يقتضيه السياق، فالمراد به هنا التشويق، وله نظير، مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] المراد به هنا التشويق، وقد يكون المراد بالاستفهام التهويل مثل: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] يقول: [﴿هَلْ﴾ استفهام هنا للتعجب والتشويق إلى استماع ما بعده ﴿أَتَاكَ﴾ يا محمَّد] جعل المؤلف الخطاب هنا للرسول ﵊، ولكن يجوز أن يكون الأمر كما ذهب إليه المؤلف، ويجوز أن تكون الكاف لكل مَن يصح خطابه، أي: وهل أتاك أيها المخاطب، وإذا قلنا بهذا القول صارت دلالة الآية أعمّ.
والقاعدة عندنا في التفسير أنه كلما كان أعم فإنه أولى، وعليه فيكون المراد بالكاف هنا المخاطبة لكل من يصح خطابه، واعلم أن كل خطاب في القرآن الكريم موجه إلى مخاطب فإنه على ثلاثة أقسام:
الأول: أن يدل الدليل على أنه عامّ فيؤخذ بعمومه.
الثاني: أن يدل الدليل على أنه خاصّ فيؤخذ بخصوصه.
الثالث: أن لا يكون هناك دليل لهذا ولا لهذا فيؤخذ بعمومه.
مثال الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]
[ ٩٧ ]
فـ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ خطاب موجّه إلى النبي ﵊، لكن حكمه عامّ؛ لقوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ فجعل الحكم عامًا لجميع الأمة.
وما دل الدليل على خصوصه فمثل قوله تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ١ - ٣] هذا خطاب خاصّ بالرسول ﵊ لا يَشْرَكُهُ غيره.
وما كان محتملًا لهذا وهذا، فهو كثير ومنه هذه الآية ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾.
﴿وَهَلْ أَتَاكَ﴾ مر علينا قريبًا الفرق بين أتاك وآتاك، ﴿نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ نبأ بمعنى خبر، ولكنه لا يقال غالبًا إلا في الخبر الهام ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: ١ - ٢]. فهنا نبأ بمعنى خبر، لكنه في أمر هام، وقوله: ﴿الْخَصْمِ﴾ أي: المتخاصمين بدليل قوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ فالخصم لفظه مفرد لكن معناه الجمع، وسمّي المتخاصمون خصمًا؛ لأن كل واحد منهما يريد أن يَخْصِمَ صاحبه، أي: أن يغلبه في الحجة، ويقطع حجته ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ قوله: إذ متعلقة ولا يصح أن تتعلق بـ ﴿أَتَاكَ﴾؛ لأن تسورهم للمحراب سابق ولا بـ (النبأ)؛ لأن تسورهم للمحراب أيضًا سابق، ولكنها تتعلق بشيء مقدر يدل عليه السياق، يعني اذكر إذ تسوروا المحراب. قال المؤلف: [محراب داود، أي: مسجده، حيثما مُنعوا الدخول عليه من الباب لِشَغَلِهِ بالعبادة ﴿تَسَوَّرُوا﴾ بمعنى دخلوا مع سوره لأن المكان مسور، لأنه بيت يتعبد فيه، فهو مسور وله أبواب، فجاؤوا ذات يوم -أي الخصم- فوجدوا الباب مغلقًا، والخصوم كما
[ ٩٨ ]