وسط الصراط، أو إلى الصراط المستقيم، وعليه فتكون ﴿سَوَاءِ﴾ من باب إضافة الصفة إلى موصوفها. يعني اهدنا إلى الطريق السوي العدل، والهداية هنا هداية دلالة وإرشاد لأنه لا يستطيع أن يجبرهم على ما يحكم به، لكن هي دلالة، فلو قال المؤلف في ﴿وَاهْدِنَا﴾ لو قال: دلنا لكان أحسن.
والقضية هي: أن أحد الخصمين قال: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ سبحان الله، هذان الخصمان غريبان، يتخاصمان ثم يقول أحدهما للآخر: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ والخصومة عادة، أن الخصم يسبّ خصمَه فيقول: هذا المعتدي الظالم الفاجر، أما هذا فقال: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ وهو يدل على أن الخصومة ليست تحمل وراءها شيئًا من العداوة والبغضاء.
قال المؤلف: [﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ أي: على ديني] وقال المؤلف هذا؛ ليفيد أن الأخوة هنا ليست أخوة نسب، بل هي أخوة الدين، ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ أي: مئة إلا واحدة.
و﴿نَعْجَةٌ﴾ منصوبة على أنها تمييز، وكلّ عدد له تمييز، لأن العدد إذا لم يذكر المعدود كان مبهمًا، وإذا ذكر المعدود كان هذا تمييزه، ثم هذا التمييز قد يكون مجرورًا وقد يكون منصوبًا ففي قولنا: عشرة رجال، التمييز مجرور، وفي قولنا: عشرون رجلًا، التمييز منصوب، هنا ﴿نَعْجَةٌ﴾ التمييز منصوب؛ لأن كل ألفاظ العقود من عشرين إلى تسعين كلها يكون تمييزها منصوبًا.
[ ١٠٣ ]
قال المؤلف في تفسير ﴿نَعْجَةٌ﴾: [يعبر بها عن المرأة] يفيد بأن هذا ليس هو الأصل في النعجة، وهو كذلك، فالأصل أن النعجة أنثى الغنم، أنثى الشياه وليست هي المرأة، فإذا كان هذا هو الأصل فمن ادعى أن المراد بالنعجة هنا المرأة فعليه الدليل، لأن كل من ادعى خلاف الأصل فعليه الدليل، فالنعجة ليست هي المرأة، في هذه الآية، بل هي واحدة الضأن.
قال الله ﷿: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ أي: مئة إلا واحدة ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ﴾ وأكّدها بقوله: ﴿وَاحِدَةٌ﴾ من أجل تقليلها، وإلا فإن الواحدة مفهومة من قوله: ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ﴾ لكنه قال: ﴿وَاحِدَةٌ﴾ تأكيدًا للقلة، أي: ليس لي إلا واحدة شم قال: ﴿أَكْفِلْنِيهَا﴾ أي: اجعلني كافلها، وذلك بأن تضمها إلى نعاجي؛ لأنه إذا ضمها إلى نعاجه صارت في ملكه، وهو الكافل لها، ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ غلبني في الخطاب، قال المؤلف: [أي: الجدال] يعني أنه صار يجادلني حتى غلبني فأقررت له [وأقره الآخر على ذلك] الآخر يعني المدّعَى عليه، وليس في الآية ما يدلّ على أن المدّعَى عليه أقرّ أو أنه أنكر. المدَّعَى عليه مسكوت عنه، فدعوى أنه أقرّه يحتاج إلى دليل، ولو كان هذا هو الواقع لذكره الله ﷿، لما في حذفه من الإيهام الذي يجعل حكم داود حكمًا فيه شيء من الجور. لأن حذفه يؤدي إلى سوء الظن بداود ﵊، حيث لم يستكمل مجريات القضية.
فالظاهر -والله أعلم - أن داود ﵊ لما سمع هذا العدوان من هذا الشخص الذي أنعم الله عليه بنعم كثيرة، ثم
[ ١٠٤ ]