والمرجَّح أنّ سليمان ﵊ سأل مُلكًا عظيمًا لا يكون لأحد من بعده، وبناءً عليه، فإنَّه يحصل الإشكال: لماذا تحجَّر هذا المُلك؟ قد نقول: إنّ القول الثَّاني أصح، وإنّ النَّبيَّ -ﷺ- ترك ذلك تورُّعًا، لأنَّه خاف أن يكون مراد سليمان زمنًا، فترك هذا من باب التورُّع، ولكن هذا الجواب فيه أيضًا بعض الشيء، لأنّ النَّبيُّ -ﷺ- إذا فسر الآية بشيء أو أتى بشيء يقتضي تفسيرها على وجه ما، فإنَّه لا شكّ أولى من الاحتمال الآخر، وأن يكون المراد ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ أي: مِن سواي، والله أعلم.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)﴾: هذه جملة تعلقها بما قبلها، أنَّها من باب التوسل. لما سأل الله مُلكًا توسَّل إلى الله بالاسم الذي يناسب ما دعا به: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (أنت): يسمِّيها العلماء ضمير الفصل، وتفيد ثلاثة أشياء: التوكيد، والحصر، والتمييز أو الفصل بين الصفة والخبر.
وقوله: ﴿الْوَهَّابُ﴾: صيغة مبالغة، وذلك لكثرة هِبات الله، وكثرة مَن يهبه الله، كل ما في الخلق من نعمة فهو من هبات الله، وما أكثر النِّعم على الإنسان، وما أكثر من أنعم الله عليه، ولهذا جاءت صورة المبالغة: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾.
قال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦)﴾.
الفاء: للسببية من وجه، وللتعقيب من وجه آخر؛ أي: بسبب دعائه، وفور دعائه ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ يعني ذللناها له، والريح: الهواء.
[ ١٦٩ ]
يقول الله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾: تجري أي: تسير، ﴿بِأَمْرِهِ﴾ أي: على وفق أمره. ﴿رُخَاءً﴾ أي: لينة في سيرها وهبوبها، لينة في طاعتها، لا تستعصي، مثلًا: إذا كانت الرِّيح جنوبًا وهو يريد أن يذهب إلى الجنوب يأمرها أن تهب شمالًا، فتهب شمالًا، فتحمله حيث أراد.
قد يقول قائل: كيف يتم الجمعِ بين قوله: ﴿رُخَاءً﴾ وبين قوله في آيات أخرى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨١]؟
والجواب: أنّ الجمع بينهما سهل، فهي رخاء؛ أي: ليس فيها زعزعة، وهي عاصفة؛ أي: سريعة، لأنَّ غُدوُّها شهر ورواحها شهر، يعني تمشي في الصباح، ولا يأتي زوال الشَّمس إلَّا وقد قطعت مسافة شهر. وبعد الزَّوال تمشي ولا يأتي الغروب، إلَّا وقد قطعت مسافة شهر، قال أهل العلم: إنَّه يضع على الأرض شيئًا كالبساط، ويجلس هو وحاشيته على البساط ثم يأمر الرِّيح فتحمله فيطير بين السماء والأرض، ومع ذلك هي رخاء، وكان المتبادر إلى الذهن أن مثل هذا الطيران يزعج الراكبين، على هذا البساط، ولكن الله تعالى جعلها رخاءً لينة، حتَّى كأنهم لا يطيرون، وليس فيها إزعاج، وهذا من آيات الله.
﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ أي: حيث أراد؛ أي: الجهة التي يريد، وهذا لم يحصل لرسول غيره فيما نعلم، ولا لملك من الملوك يأمر الرِّيح فتسير به حيث أراد.
[ ١٧٠ ]