الأبصار أي: البصائر في دين الله، لأنهم رسل، وأبصر النَّاس في عبادة الله هم الرسل.
﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا﴾ قال المؤلف: [وفي قراءة ﴿عَبْدَنَا﴾، وإبراهيم بيان له، وما بعده عطف على عبدنا]، أي: أنَّها تقرأ بالجمع وبالإفراد، والقراءة هنا سبعية؛ لأنَّ القاعدة أن المؤلف إذا قال: [وفي قراءة] فهي سبعية، وإذا قال: [قرئ] فهي شاذة.
ثم قال: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ﴾ أي: نقيناهم وصفيناهم، لأنَّ إخلاص الشيء أن تزيل شوائبه حتَّى يبقى خالصًا، ومنه إخلاص الدين لله وهو أن تزيل عنه شوائب الشرك.
وقوله: ﴿بِخَالِصَةٍ﴾ بينها المؤلف بقوله: [هي ذكرى الدار] أفاد المؤلف أن ﴿ذِكْرَى﴾ هي خبر مبتدأ محذوف تقديره: هي ذكرى، ويجوز أن تكون (ذكرى) بدلًا من (خالصة) أو عطف بيان لها. والمراد بالدار هنا الآخرة، أي: ذكرى الدار الآخرة. ذكرها والعمل لها. وفي قراءة بالإضافة، أي: ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦)﴾ وهي للبيان، أي الإضافة هنا بيانية على تقدير مِنْ، لأنَّ الإضافة البيانية تكون على تقدير مِنْ، كما تقول: خاتم فضة، أي: من فضة، أو تقول: ثوب خز، أي: من خز. باب خشب، أي: من خشب، وهكذا قال: ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾ أي: الدار الآخرة، أي: تذكرها والعمل لها.
﴿وَإِنَّهُمْ﴾ الضمير يعود على الثلاثة: إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﴿عِنْدَنَا﴾ عند الله. والعندية هنا عندية المرتبة لا عندية المكان، لأنَّ مرتبتهم عند الله أنهم من هؤلاء ﴿الْمُصْطَفَيْنَ﴾.
[ ٢٠٠ ]
المصطفى اسم مفعول بمعنى المختار، وهنا ﴿الْمُصْطَفَيْنَ﴾ جمع مذكر سالم، ولكن فيه إشكال، وهو أن المعروف أن جمع المذكر السالم يكسر ما قبل الياء، نقول: المسلمِين والمؤمنِين والقانتِين والصابرِين والصادقِين، وهنا ما قبل الياء مفتوح، والمعروف أن الذي يفتح فيه ما قبل الياء هو المثنى، كما تقول: الرجلَيْن والمسلمَيْن والمؤمنَيْن وهكذا، فلماذا فتح ما قبل الياء في ﴿الْمُصْطَفَيْنَ﴾؟ قال النحويون: لأنَّ أصله المصطفى بالألف فحذفت الألف لأنَّها ساكنة، ولأن الياء بعدها ساكنة فتحذف، كما قال ابن مالك:
إن ساكنين التقيا اكسر ما سبق وإن يكن لينًا فحذفه استحق
فالآن التقى ألف وياء فتحذف الأولى منهما وهي هنا الألف وتبقى الفتحة دليل عليها، ﴿الْمُصْطَفَيْنَ﴾ يعني في العبادة والعلم والرسالة ﴿الْأَخْيَارِ (٤٧)﴾ [جمع خيِّر بالتشديد]، والخيِّر على وزن فيعل، وهو كثير الخير، ولا شك أن هؤلاء الرسل الثلاثة فيهم خير كثير، وجاء من نسلهم رسل كرام، وأمم من أفضل الأمم. جاء من نسل إبراهيم أمة محمد - ﷺ -، وهي أفضل الأمم وأكرمها عند الله.
الفوائد:
١ - من فوائد هذه الآيات: الثّناء على إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم الصَّلاة والسلام بأنهم أصحاب قوة في عبادة الله، وبصيرة في دين الله تعالى.
٢ - ومن فوائد هذه الآيات: أنَّه ينبغي ذكر أهل الخير بالثناء، لأنَّ في ذلك فائدتين:
[ ٢٠١ ]
الفائدة الأولى: إحياء ذكر هؤلاء ليتبين فضلهم ويُدعى لهم.
والفائدة الثانية: الاقتداء بهم واتباعهم فيما هم عليه مما استحقوا به الثناء.
٣ - ومن فوائد هذه الآيات: أن الله تعالى أخلص هؤلاء بخالصة، وهي تذكُّر الدار الآخرة، بحيث لا ينغمسون في ترف الدنيا.
٤ - ويتفرع عن هذه الفائدة: أن مَن أنعم الله عليه بهذه الصفة وهي تذكُّر الدار الآخرة فإن هذا من الأمر الذي يستحق الثناء عليه هو، ويستحق الربّ ﷿ عليه الشكر، حيث لم يجعل هذا ممن ينطوي في سلك أهل الدنيا.
٥ - ومن فوائد هذه الآيات: أن لله تعالى عبادًا مصطفين لقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾ لأن "من" هنا إما للجنس أو للتبعيض، فتدل دلالة واحدة.
٦ - ومن فوائدها: أنه إذا كان العامل له مراتب فإن العمل كذلك له مراتب، لأن العامل إنما ينال المراتب بحسب عمله.
ويتفرع عن هذه الفائدة ما فيه دليل لمذهب أهل السنة والجماعة: مِن أن الإيمان يزيد وينقص.
٧ - ومن فوائد هذه الآيات: أن إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم الصلاة والسلام من هؤلاء المصطفين.
٨ - ومن فوائدها أيضًا: أن مَن اصطفاهم الله فإنهم أصحاب خير وفضل لقوله تعالى: ﴿الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧)﴾ فرتب الخيرين على الاصطفاء.
[ ٢٠٢ ]