بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩)﴾ في شأن آدم، وفي الدرجات العُلى وغيرها مما يختصم فيه الملائكة، ويرجعون فيه إلى الله.
قال المؤلف: ﴿إِنْ﴾: ما ﴿يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا﴾ أي: أني ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾ بين الإنذار]. نقول: إنما أفادنا المؤلف أن "إنْ" هنا نافية، وهو أحد معانيها، دل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنَّمَا﴾ أي: أني ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾ قوله؛ [أي: أني] تفسير لـ ﴿إِنَّمَا أَنَا﴾ لأن أصله أني، لكن دخلت ما الكافة على "أن" فأبطلت عملها. ثم لما دخلت عليها لزم أن ينفصل الضمير المتصل، دخلت (ما) على (أن) ففصلت بين (أن) والضمير، والضمير المتصل إذا وجد ما يفصله عما اتصل به صار منفصلًا، فهنا تكون ﴿أَنَا﴾ هي الياء في قول المؤلف: [أني].
قوله: ﴿إِلَّا أَنَّمَا أَنَا﴾ هذه الصيغة تكون أشد تأكيدًا للحصر، لأن الحصر استنفدناه من قوله: ﴿إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا﴾ واستثناه أيضًا من قوله: ﴿أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾ فحُصِرَ حال النبي ﵊ بأنه نذير مبين، وهذا الحصر حصر إضافي، أي: إنما أنا في هذه المسألة خاصّة، وهو الوحي، نذير مبين، وإلا فإنه بشر ينسى ويأكل ويشرب ويبشر، فالحصر إذًا إضافي بحسب السياق. وقوله ﴿مُبِينٌ (٧٠)﴾ قال المؤلف: [بيّن الإنذار] والصواب: مُظهِر، وليست من أبان اللازم، بل هي من أبان المتعدي؛ لأن كلمة أبان تكون لازمة، كما تقول: أبان الصبح، أي: ظهر، وتكون متعدية، كما لو قلت: هذا مبين لهذا، أي: مظهر له، فالصواب: أن مبين هنا بمعنى مُظهِر.
[ ٢٣١ ]
الفوائد:
١ - من فوائد هذه الآيات: عظم ما جاء به الرسول ﵊ من الوحي، وأنه نبأ عظيم، وهذا كقوله: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) [النبأ: ١ - ٣].
٢ - ومن فوائدها: أنه متى عَظُمَ هذا النبأ العظيم، عَظُمَ مَن يأخذ بهذا النبأ لأنه أساس ومنهاج وطريق، فإذا عظم، عظم الآخذ به، ولهذا كانت الأمة الإسلامية عظيمة مرموقة مهيبة حين كانت آخذة به.
٣ - ومن فوائد هذه الآية: القدح في من أعرض عن هذا النبأ العظيم لقوله: ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨)﴾ يعني كيف يليق بكم أن تعرضوا عنه مع أنه نبأ عظيم؟ !
٤ - ومن فوائد قول الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩)﴾ نفي علم الرسول - ﷺ - بالغيب سواء كان مستقبلًا أم حاضرًا ولكنه غائب عنه لقوله: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ نفي علم بملأ موجود لكنه غائب عنه، فإذا كان لا يعلم الغائب الموجود، فالغائب عنه المنتظر من باب أولى.
٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الملأ الأعلى وهم الملائكة ﵈.
٦ - ومن فوائدها: بيان علو مرتبة الملائكة، كما أن مكانهم كذلك عال، لأنهم في السماوات، كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي
[ ٢٣٢ ]
السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] وعلو المرتبة فيهم اختلف العلماء هل هي أعلى من البشر الصالحين أم صالحوا البشر أعلى من الملائكة وأفضل؟ فمنهم من قال: إن الملائكة أفضل، ومنهم من قال: إن صالحي البشر أفضل، والنزاع هنا قليل الفائدة، لأننا نعلم أن الملائكة لهم خصائص لا يلحقهم فيها البشر، وللبشر خصائص لا يلحقهم فيها الملائكة، فالتفضيل على الإطلاق لا يصح، لأن هؤلاء لهم ميزة وهؤلاء لهم ميزة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن الملائكة أفضل باعتبار كمال البداية؛ لأنهم خلقوا من نور، والنور أكمل وأفضل من الطين والتراب، وإن البشر أفضل باعتبار النهاية، لأن البشر يكونون في رحمة الله، والملائكة أنفسهم يدخلون عليهم من كل باب يهنئونهم ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٤].
ولكن الذي أرى أنه ينبغي أن يقال: إن التفضيل ليس باعتبار البداية والنهاية بل باعتبار بعض الخصائص التي تكون لهؤلاء دون هؤلاء.
٧ - ومن فوائد الآية: إثبات أن الملائكة ﵈ ذوو عقول لقوله: ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩)﴾.
٨ - ومن فوائدها: إثبات المناظرة والمخاصمة بين الملائكة، كما هي أيضًا تكون بين الرسل وأقوامهم، وبين أتباع الرسل بعضهم مع بعض.
[ ٢٣٣ ]