بناء على أن الخطاب المذكور في هذه السورة لأهل مكة، لأنها مكية، ولكن قد ذكرنا أن العبرة بالعموم لا بخصوص المكان أو السبب، والخطاب لجميع الناس ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ فإن هذا النبأ الذي أنبا الله به بواسطة هذا القرآن الكريم سيعلمه الناس كلهم، وذلك ما أخبر به عما يكون يوم القيامة، فإن هذا القرآن أخبر عن ما يكون يوم القيامة، وهذا سيعلمه الناس كلهم بعد حين.
وهناك أشياء أخبر عنها القرآن مضت وانقضت، فهذه عَلِمَها بعد حين مَن سبق هذه الحوادث وأدركها، وهناك حوادث ستأتي يعلمها بعد حين مَنْ يدركها، وأما الذي يدركه جميع الناس فهو ما يكون يوم القيامة قال: ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ [أي: يوم القيامة، وعَلِمَ بمعنى عرف]، قال: علم بمعنى عرف، لأنه تعدى إلى واحد ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾ وعلم إذا تعدت إلى واحد فهي بمعنى عرف، كما تقول: علمت المسألة يعني عرفتها، قال: [واللام قبلها: لام قسم مقدر، أي: والله] لتعلمن نبأه.
الفوائد:
١ - في هذه الآية من الفوائد: أن الله تعالى أمر نبيه - ﷺ - أن يعلن بأنه لا يسأل على الرسالة أجرًا، أي: أجرًا دنيويًا، وأما أجر الآخرة فلا شك أن النبي - ﷺ - يرجوه، لأنه هو الدال على الخير، الآمر به، ولهذا مُنع ورثة الرسل مِن أن يرثوا شيئًا من أموالهم خوفًا من أن يقال إنما اكتسبه الرسل من أجل الرسالة. قال النبي عليه الصلاة
[ ٢٥٥ ]
والسلام: "لا نُورَثُ، ما تركنا صدقةٌ" (^١) بتنوين الضم، أما قول الرافضة: صدقةً، بتنوين النصب "لا نُورَث ما تركنا صدقةً" فهذا تحريف لفظي ومعنوي، وذلك لأن ما ترك صدقة لا يورث من الأنبياء ولا من غيرهم. لو أوصى الإنسان بشيء يجعل صدقة بعد موته نُفِذ ولم يُوْرَث لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] إلا أن ما زاد على الثلث يكون راجعًا إلى اختيار الورثة.
٢ - ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن النبي - ﷺ - لا يسأل الناس أجرًا على دعوة الخلق إلى الحق، وهل هذا خاص به أو عامّ له وللأمة، أي: أنه يحرم على الإنسان أن يأخذ شيئًا على تبليغ الشريعة؟ الجواب: أنه متى وجب الإبلاغ حَرُم أخذ الأجر عليه، لأنه لا يجوز للإنسان أن يأخذ أجرًا على قيامه بالواجب، أما إذا كان ليس بواجب فلا بأس أن يأخذ أجرًا، لأنه يكون تطوعًا إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل. فإذا قال: أنا لا أحبس نفسي إلا بأجر، قلنا له: لا حرج ما دام الإبلاغ ليس بواجب، ويدل لهذا قول النبي ﵊: "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله" (^٢) لكن متى وجب تعليم القرآن على شخص فإن أخذه أجرة على هذا التعليم يكون حرامًا.
٣ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي - ﷺ - صادق فيما أخبر به من الوحي لقوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾.
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب فرض الخمس، باب فرض الخمس (٣٠٩٣)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب قول النبي - ﷺ -: لا نورث (١٧٥٩).
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الطب، باب الرُّقَى بفاتحة الكتاب (٥٧٣٧).
[ ٢٥٦ ]
٤ - ومن فوائدها: الإشارة إلى أن من الناس مَن يتقوَّل على الله، فيدعي أنه رسول، وهو ليس كذلك، وحينئذٍ نقول: من ادعى الرسالة فإن جاء بآية تدل على صدقه فهو رسول، وإلا فليس برسول، هذا قبل النبي محمد - ﷺ - أما ما بعد النبي ﵊ فمن ادعى الرسالة فهو كاذب، لأن الله تعالى يقول: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] فمن ادعى الرسالة، وأن الله تعالى أرسله بعد محمد ﵊ فهو كاذب مرتد عن الإسلام ويجب قتله، ولا يرد على هذا أن عيسى ﵇ ينزل آخر الزمان بصفته رسولًا؟ لأنه كان رسولًا قبل محمد - ﷺ -، ثم هو أيضًا لا يأتي بشيء جديد، بل يأتي بشيء أقرَّه النبي - ﷺ - وأخبر به من قبل، وهو أنه يقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام (^١) يعني أن أخذ الجزية من غير المسلمين لإقرارهم على دينهم له أمد في الشريعة الإسلامية.
٥ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧)﴾ أن هذا القرآن الكريم ذكر للعالين عمومًا يتذكرون به، لكن لا ينتفع به إلا المؤمنون، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧] وهذا عام ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧] وهذا خاص إذا جعلنا الهدى بمعنى التوفيق، وإذا قلنا الهداية هداية الإرشاد صار عامًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب قتل الخنزير (٢٢٢٢)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب نزول عيسى ابن مريم حاكمًا بشريعة نبينا محمد - ﷺ - (١٥٥) (٢٤٢).
[ ٢٥٧ ]
٦ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾ أن آيات النبي - ﷺ - تأتي متتابعة منها ما علم في عهده، ومنها ما علم بعد ذلك، ومنها ما لا يعلم إلا يوم القيامة، والذي يعلم يوم القيامة يكون معلومًا لكل أحد، والذي يعلم في وقته يكون معلومًا لمن أدركه ولمن أتى من بعده، وكذلك نقول في الذي يأتي بعد الرسول - ﷺ -.
٧ - ومن الفوائد: أن الله تعالى تكفل بأن يعلم الناس صدق نبأ الرسول - ﷺ - لقوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾ فإن هذه الجملة خبرية مؤكدة بثلاثة مؤكدات: اللام والقسم المقدر ونون التوكيد ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾.
وإلى هنا انتهت هذه السورة الكريمة ونسأل الله تعالى أن يعيدنا عودًا حميدًا مستزيدين من الإيمان والعمل الصالح والعلم، إنه جواد كريم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[تم تفسير سورة ص والحمد لله رب العالمين]
[ ٢٥٨ ]