٦ - ومن فوائدها أيضًا: أن هؤلاء الذين اقترحوا هذا الاقتراح وأنكروا أن ينزل الوحي على النبي محمد - ﷺ - هم في شك مما يدَّعون، فإذا كانوا في شك فكيف يقترحون؟ ولهذا قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾.
٧ - ومن فوائدها: أن المكذبين للرسل يوشك أن ينزل بهم العذاب، لقوله: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾.
٨ - ومن فوائدها: أن العذاب إذا نزل فإنه يكون ماسًا للإنسان مؤثرًا فيه، لأنه عبر عن ذلك بقوله: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾.
٩ - ومن فوائدها: أن الكلمات تفسر بحسب السياق، فالذوق في الأصل إنما هو للطعام والشراب، ولكن قد يراد به ما أصاب الإنسان إصابة مباشرة فإنه يسمى مذوقًا.
* * *
قال الله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩)﴾، هذا كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] قال بعدها: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢] حتى يقولوا نجعل النبوة في فلان دون فلان وهنا لما قالوا: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ قال بعدها: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩)﴾ يعني هل هم الذين يقسمون هذه الخزائن فيجعلون الرسالة في فلان دون فلان. و"أم" هنا بمعنى "بل"، والاستفهام يراد به النفي، وعلى هذا فتقدير الكلام: بل أعندهم خزائن رحمة
[ ٤٦ ]
ربك، أي: ليست خزائن رحمة الله عندهم حتى يقولوا ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ ولماذا لم ينزل على فلان أو فلان؟
قوله: ﴿خَزَائِنُ﴾ جمع خزينة، والخزينة: مستودع الشيء يسمى خزينة، والرحمة: رحمة ربك، أي: ما يكون برحمته من الأرزاق الحسية والمعنوية، والجواب: لا ليس عندهم خزائن رحمة ربك.
وقوله: ﴿الْعَزِيزِ﴾ قال المؤلف: [الغالب ﴿الْوَهَّابِ﴾ أي: الكثير الهبات، وهي العطايا. قال: ﴿رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ فأضاف الرحمة إلى رب، ثم أضاف الربوبية إلي النبي - ﷺ - ﴿رَبِّكَ﴾ اعتناءً به وبيانًا أن ما حصل له من الرسالة فهو بمقتضى ربوبية الله الخاصة له، ولهذا نقول: أخص أنواع الربوبية ما كان للرسل، كما أن أخص العبودية عبودية الرسل، ولهذا أضاف الربوبية إليه، لأن أخصّ الربوبية ربوبية الله ﷾ لرسله وعلى رأسهم محمد - ﷺ -، فكأنه يشير إلى أن رسالة الله للرسول - ﷺ - من رحمته به. وقوله: ﴿الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ فيه مناسبة عظيمة. العزيز لمقابلة هؤلاء الذين كانوا في عزة وشقاق، ليبين أن عزة الله فوق عزتهم وأنفتهم وحميتهم، وأنه غالب لهم وقاهر لهم. والوهاب بالنسبة للرسول - ﷺ -، يعني أنه وهبه النبوة.
العزيز: يقول المؤلف: إنه الغالب، وهذا أحد معانيه، ولكن اللفظ يشتمل على معانٍ أكثر، فالعزيز يدل على ثلاثة أنواع من العزة: عزة القدر، وعزة الامتناع، وعزة القهر، فعزة الامتناع: تعني امتناع الله ﷾ عن كل نقص وعيب، فهو عزيز يمتنع عليه كل نقص وعيب. وعزة القدر: تعني عزة الشرف
[ ٤٧ ]
والسيادة، فالسيادة المطلقة لله ﷿، والعزة الطلقة لله ﷿، يقول تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]، والثالث عزة القهر: وهي عزة الغلبة، أي: أنه غالب لكل أحد، فعزة القهر تعني عزة الغلبة وأنه غالب لكل أحد، ومن أشعار الجاهلية:
أين المفر والإله الطالب والأشرم المغلوب ليس الغالب
فإذًا يكون تفسير المؤلف ﵀ للعزيز بالغالب تفسير للفظ ببعض المعاني، وهو تفسير قاصر، لأننا ذكرنا فيما سبق أن كل من فسر القرآن ببعض ما يدل عليه فإن تفسيره قاصر، لكن أحيانًا يفسر القرآن ببعض ما دلّ عليه تمثيلًا لا حصرًا، كتفسير بعضهم قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢] فسر الظالم لنفسه بأنه الذي يؤخّر الصلاة عن وقتها، والمقتصد الذي يصليها في آخر الوقت، والسابق بالخيرات الذي يصليها في أول الوقت، وبعضهم فسّر الظالم لنفسه بالذي لا يزكي، والمقتصد بالذي يزكي ولا يتصدق، والسابق بالخيرات بالذي يزكي ويتصدق. فهذا التفسير نقول: لا شك أنه قاصر، لكن لم يرد المفسر أن المعنى منحصر في هذا، وإنما أراد بذلك التمثيل، يعني مثل الظالم لنفسه مثل الذي لا يزكي، والمقتصد مثل الذي يزكي ولا يتصدوا، والسابق بالخيرات مثل الذي يزكي ويتصدق.
قال المؤلف: [﴿الْوَهَّابِ (٩)﴾ من النبوة وغيرها، فيعطونها من شاؤوا؟] هذا مفرع على النفي، يعني هل عندهم خزائن الله من
[ ٤٨ ]