* * *
* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١].
* * *
قال الله ﷿: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ﴾ الإماتة هنا ما كان قبلَ الحَياة وبعد الحَياة، ما كان قبل الحَياة أي وهُمْ أجِنَّة في بُطون أُمَّهاتهم، وما كان بعدَها وهو المَوْت الذي يَكون بعد الوُجود في الدنيا، هاتان مِيتَتان، ﴿وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ الحَياة وهُم أَجِنَّة في بُطون أمَّهاتهم، والحَياة بعد البَعْث يوم القِيامة، أو حين البَعْث يوم القيامة.
وهذا كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، هذه أربعة: إماتتان، وإِحياءَتان، فهم يَقولون - كما ذكَر المفَسِّر -: [﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ﴾ إِماتَتَيْن ﴿وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ إِحياءَتَيْن؛ لأنهم نُطُف أموات، فأُحْيوا، ثُم أُميتوا، ثُم أُحْيوا للبَعْث]، هذا تَفسير: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾.
والإماتة الأُولى ليسَت إماتةً بعد حَياة، ولكنها فَقْد حَياة، فصَحَّ أن يُطلَق عليها اسمُ الموت، وقَصْدهم بهذا الإقرارِ بأن الأَمْر حَقٌّ، فكما أننا نُدرِك أنه مرَّت بِنا هذه الأطوارُ الأربَعة: مَوْت فحَياة، ثُم مَوْت فحَياة، فإننا نَتيَقَّن أننا أَخطَأْنا؛ ولهذا قالوا: ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ يَعنِي: فقدِ اعتَرَفْنا بذُنوبنا.
[ ١٢٢ ]
فإن قال قائِل: قول الله ﵎: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ﴾ هل يَقصِد بالمِيتَتَيْن: الموت في الدنيا حين المَنام، والموت في الأُخرى في يوم القِيامة؟
فالجَوابُ: لا يَصِحُّ؛ لأن مِيتة الدُّنيا في المَنام ليسَت هي مرَّتَين، ولا ثلاثًا، ولا أربعًا، ولا مِئة، الإنسان في الشَّهْر يَنام على الأقل ثلاثين مرَّةً ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام: ٦٠] فإذا بعَثَنا من مِيتة الليلة البارِحة جاءَتِ اللَّيْلة الثانية، مِتْنا ثانيةً، والتي وراءَها، والَّذي يَنام بعد صلاة الفجر، والذي يَنام في القَيْلولة، والذي يَنام بعد العَصْر، أربَع مِيتات في يوم واحِد.
والذُّنوب جَمعْ ذَنْب وهو: المَعصية، والمُراد بها هنا الكُفْر، كما قال المفَسِّر ﵀: [بكُفْرنا بالبَعْث ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ﴾ من النار]، و(هل) هنا للتَّمنِّي، يَعنِي أننا نَتمنَّى الخُروج من النار ولكنه لا يَحصُل لهم ذلك.
قال المفَسِّر ﵀: [﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ﴾ من النار والرُّجوع إلى الدُّنيا لنُطيع رَبَّنا ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾ من طَريق؟ وجوابُهم: لا] وهذا من المفَسِّر بِناءً على أن الاستِفْهام على بابه، أنهم يَسأَلون: هل لنا من طَريق فنَخرُج؟ أمَّا على ما قُلنا: إنه للتَّمنِّي فلا يَحتاج إلى جَواب، فهو كقوله: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف: ٥٣].