* قَالَ اللهُ - ﷿ -: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ١٧].
* * *
ثُمَّ قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ ﴿الْيَوْمَ﴾: ظَرْف مُتعلِّق بـ ﴿تُجْزَى﴾، والظَّرْف والجارُّ والمجرور لابُدَّ لهما من مُتعلَّق؛ لأنهما لا يَقَعان إلَّا مَعمُولَين أو مَعمولًا فيهما؛ لذلك لابُدَّ لهما من عامِل يَتَعلَّقان به.
قال: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ ﴿تُجْزَى﴾ أي: تُكافَأ؛ لأنَّ الجَزاء بمَعنَى المُكافَأة، جازَيْته على عمَله؛ أي: كافَأْته عليه، فمَعنى ﴿تُجْزَى﴾ أي: تُكافَأ، ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ من خَيْر وشَرٍّ، ولكِنَّ هذا الجزاءَ في الآخِرة يَختَلِف عن جزاءات الدنيا التي يُجازَى بها الناس بعضُهم من بعض.
وقوله: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ﴿لَا ظُلْمَ﴾ (لا) نافِية للجِنْس، و﴿ظُلْمَ﴾ اسمُها، قال أهل النَّحْو: والنَّفيُ للجِنْس يَنفِي هذا الجِنْسَ مُطلَقًا. أي: قليلَهُ وكثيرَهُ، واحِدَهُ ومُتعَدِّدَهُ، ولهم (لا) أُخرى يُسمُّونها نافِيةَ الوحدة، ونافِية الوحدة لا تَعمَل عمَل (إنَّ)، بل تَعمَل عمَل (ليسَ)، تَقول: لا رجُلٌ في الدار؛ أي: ليس في الدار رجُل واحِد، بل ثلاثة رِجال مثَلًا، أمَّا إذا أَرَدْت الجِنْس فقُلْ: لا رجُلَ في الدار؛ أي: لا واحِد ولا مُتعَدِّد.
[ ١٦٩ ]
وهي - أي: "لا" النافية للجِنْس - نَصٌّ في العموم؛ أي: أنها دالَّة على العُموم بالنَّصِّ، فيَكون ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾؛ أي: لا ظُلمَ واقِعٌ من الله، ولا ظُلمَ واقِع من الخَلْق بعضِهم لبعض، بل كلُّ واحِد من الخَلْق يَفِرُّ من الآخَر، لا ظُلمَ اليومَ.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾؛ أي: سَريع مُحاسَبة الخَلائِق على أعمالهم، وبيَّن المفَسِّر - ﵀ - هذه السُّرعةَ فقال: [يُحاسِب جميع الخَلْق في قَدْر نِصْف نَهار من أيام الدُّنيا؛ لحَديث ورَد في ذلِكَ] يُحاسِب جميع الخَلائِق كلهم في مِقدار نِصْف يوم، لكن من أيام الدُّنيا. هذا يَحتاج إلى تَحقيق؛ لأنَّ يوم القِيامة يوم مِقْداره خَمْسون ألفَ سَنَةٍ، يَفرَغ الله - ﷾ - من حِساب الخلائِق في نِصْف ذلك اليَوْمِ؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]، ومَعلوم أن القَيْلولة تَكون في نِصْف النهار، وهذا يَدُلُّ على أنَّه لا يَنتَصِف النَّهار إلَّا وقد فرَغَ الله - ﷾ - من حِساب الخَلائِق، وصار كلُّ واحِد إلى ما آلَ إليه، لكن هل هو كيَوْم الدُّنيا، أو هو يوم القِيامة الذي مِقْداره خَمْسون ألفَ سَنَةٍ؟
فإن قال قائِل: ما هو الدليل على أن الله يُحاسِب الناس في نِصْف يَوْم؟
فالجَوابُ: أوَّله أَحاديثُ ورَدَت في هذا، والثاني قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] قال: ﴿يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ والمَقيل لا يَكون إلَّا في نِصْف النَّهار بأَطرافه.