* * *
* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٤].
* * *
ثُم قال الله ﵎ في بَقيَّة كلام هذا الرجُلِ المُؤمِن: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ [غافر: ٤٤].
السين وسوف كِلاهما يَختَصَّان بالفِعْل المُضارع ومن علاماته، وإذا رأَيْت كلِمة تَقبَل السين وسوف فهي فِعْل مُضارع، لكنَّهما يَفتَرِقان، السين تَدُلُّ على القُرْب، وسوف تَدُلُّ على المُهلَة، فقوله: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ﴾؛ أي: عن قَريب، وهي مع إفادتها القُرْب تُفيد التَّحقُّق؛ يَعنِي: أن هذا أَمْر لا بُدَّ أن يَحصُل.
قال المفَسِّر ﵀: [﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ إذا عايَنْتم العَذاب]، وهذا ليس ببَعيد؛ لأن غاية ما بينَهم وبينَه أن تَنتَهيَ آجالهم، وكل آتٍ قَريبٌ، ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾، وحينئذٍ لا يَنفَعُهم ذلك، كما لو نصَحَك ناصِحٌ عن فِعْل شيء، ثُم لم تَقبَل نصيحته، وبعد ذلك رأَيْت عاقِبَته وَخيمة، فإنك ستَذكُر قول الناصِح، تَذكُره ندَمًا وحُزْنًا.
قال: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ الواو هنا للاستِئْناف، ولا يَصِحُّ أن تَكون عاطِفة؛ لأنها لو كانت عاطِفة لكان المَعنَى: وسأُفوِّض أَمْري إلى الله، ولكن هذا
[ ٣٣٩ ]
ليس المَعنَى، بل المَعنَى: وأنا أُفوِّض أَمْري إلى الله، فالواو هنا للاستِئْناف، أُفوِّضه إلى الله؛ أي: أَكِلُه إلى الله ﷿.
وقوله: ﴿أَمْرِي﴾ هذا مُفرَد مُضاف يَعُمُّ والمُراد به الشَّأْن، أي: شَأْني كلَّه، ﴿إِلَى اللَّهِ﴾، وهذا غاية ما يَكون من التَّوكُّل، وسيَأتِي -إن شاء الله- في الفَوائِد.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ هذه الجُملةُ التَّعْليلية للحُكْم السابِق، وهو قوله: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ كأن قائِلًا يَقول: لماذا فوَّضَ أَمْره إلى الله؟ فأَجابَ بأن الله تعالى بَصير بالعِباد.
وقوله: ﴿بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾؛ أي: بأَحْوالهم، وحاضِرهم ومُستَقبَلهم، وجميع شُؤُونهم، فهو جَلَّ وَعَلَا يَعلَم ما بين أيديهم وما خَلْفهم، يَعلَم كل أحوالهم.
قال المفَسِّر ﵀: [قال ذلك لمَّا تَوعَّدوه بمُخالَفة دِينه] يَعنِي: كأنهم تَوعَّدوه، فقال: أُفوِّض أَمْري إلى الله. ولكِن التَّوعُّد ليس في الآية دَليل عليه، والظاهِر -واللهُ أَعلَمُ- أنه لم يَقُل ذلك حين تَوعَّدوه، ولكنه قال ذلك حين أَيِسَ من أن يَمتَثِلوا لنَصيحته، فقال كالمُودعِّ لهم: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾، وأمَّا أنا فأُفوِّض أَمْري إلى الله؛ لأني قُمْت بما يَلزَمُني من نصيحة، وهذا أكثَرُ ما يَجِب علَيَّ.