* * *
* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥)﴾ [غافر: ٥].
* * *
قال الله ﵎: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [غافر: ٥]، هذا كالتَّعليل لقوله: ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾ [غافر: ٤]، يَعنِي: فلْيَنظُر عاقِبة مَن كان قَبلَهم حين كذَّبوا.
وقوله: ﴿قَبْلَهُمْ﴾ الضمير يَعود على الذين كذَّبوا النَّبيَّ - ﷺ -. وقوله: ﴿قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ نوح ﵊ هو أوَّلُ رَسول أَرسَله الله تعالى إلى أهل الأرض بعد أنِ اختَلَفوا، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، ونوح بُعِثَ إلى أهل الأرض؛ لأنَّ أهل الأرض كانوا هم قَوْمَه، أمَّا حين تَعدَّدتِ الأقوام فقد كان الرسولُ لا يُبعَث إلَّا إلى قومه خاصَّة، كما ثبَت ذلك عن النبيِّ ﷺ (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الصلاة، باب قول النبي - ﷺ -: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا"، رقم (٤٣٨)، ومسلم: كتاب المساجد، باب جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، رقم (٥٢١)، من حديث جابر - ﵁ -.
[ ٧٤ ]
فإن قال قائِل: ما هو الدَّليل على أن الذين ذُكِروا من الأنبياء في القُرآن كلُّهُم رُسُل؟
فالجوابُ: الدليلُ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]، فكُلُّ مَن قصَّه الله علينا فهو رَسولٌ.
فإن قال قائِل: هل يُوجَد دَليل على عدَد الأنبياء والرُّسُل؟
فالجَوابُ: في حديث أبي ذَرٍّ أنهم كانوا مئة وعِشْرين ألفًا مِنهم ثلاثُ مِئة وبِضعةَ عشَرَ رَسولًا والباقي أنبياءُ، لكن الحديث بعض العُلَماء قالوا: إنه غير صَحيحٍ. وإن كان ابنُ حِبَّانَ صحَّحه (^١)، فالله أَعلَمُ. ليس هناك شيء يَركَن إليه الإنسانُ في العَقيدة بأن عدَدهم كذا أو كذا، لا الأنبياء ولا الرُّسُل.
وقوله: ﴿وَالْأَحْزَابُ﴾ جمع حِزْب وهي الطائِفة، يَعنِي: الطوائِف، ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: من بعد قَوْم نوحٍ.
يَقول المفَسِّر ﵀: [كعادٍ وثَمودَ وغيرهما] فماذا أَغنَى عنهم التَّكذيب، يَقول الله ﷿: ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾.
وقوله: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ هو يَعنِي: كلُّ أمَّة همَّت برَسولهم، أي: بالَّذي أُرسِل إليهم، ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾ هذه مُتعَلِّقة بـ ﴿وَهَمَّتْ﴾، أي: همُّوا لتقتُلوه، واللَّام هنا بمعنَى الباء؛ أي: بأن يَأخُذوه فيَقتُلوه، ومنهم مَن قتَلهم بالفِعْل مَن قتل النَّبيِّين بغير حَقٍّ.
وقوله: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ هذه تُفسِّر مَعنى الجِدال فيما
_________________
(١) أخرجه ابن حبان رقم (٣٦١).
[ ٧٥ ]
سبَق في قوله: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فجادَلوا بالباطِل؛ أي: جعَلوا الباطل سِلاحًا لهم ﴿لِيُدْحِضُوا﴾ [يُزيلوا] به الحقَّ، فكانوا يَأتون بالباطِل يَحتَجُّون به على الْحَقِّ لإِدْحاضه.
واعلَمْ أن الذين يَأتون بالباطِل ليَدحَضوا به الحقَّ لا يَأتون بالباطِل على وَجْهه، بل يُزخْرِفون القول له كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]، ولهذا تَجِد الذين يُجادِلون بالباطِل يَأتون بعِبارات إذا رآها الإنسان ظنَّها حقّا، كأنها السراب للظَّمْآن ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور: ٣٩].
وكما قال بعضُهم:
حُجَجٌ تَهَافَتُ كَالزُّجَاجِ تَخَالهُا حَقًّا وَكُلٌّ كاسِرٌ مَكْسُورُ (^١)
فهم يَأتون بزُخْرف القول، الزُّخْرف يَعنِي: القول المُنمَّق المُحسَّن المُزيَّن لأَجْل إِدْحاض الحقِّ.
قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ الفاء هنا للسَّبَبية، أي: فبسبَب ما قاموا به من المُجادَلة بالباطِل والتكَذيب أَخَذْتُهم، والضمير الفاعِل يَعود على الله ﷾، والمَفعول يَعود على هَؤُلاءِ المُكذِّبين.
فقوله: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [بالعِقاب] ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ فسَّرَ المفَسِّر الأَخْذ هنا بالعِقاب لقوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ أي: مُعاقَبَتي لهم، وكيف هنا للتَّعجُّب وللتَّقرير وللتَّعْظيم أيضًا، أي: فكان عِقابي عَظيمًا في كيفيَّتِه، وفي وقوعه
_________________
(١) عزاه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨) للخطابي.
[ ٧٦ ]
مَوْقعه، وفي شِدَّته، فإنَّه عَذاب لم يُبقِ أحدًا منهم، وعلى هذا فالاستِفْهام له عِدَّة مَعانٍ يُعيِّنها السِّياق.
فإن قال قائل: ما الفرق بين الأخذ في قوله: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ وقوله: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾؟
فالجواب: الأَخْذُ يَأتِي بقَرينة، مِثل قوله: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ أي أَهْلَكْتهم، أمَّا أَخْذهُم هُم للأَنبياء فقد يَكون يَأخُذونهم ليَحبِسوهم، كقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠]، يُثبِتوك يَعنِي: يَحبِسونك، فتكون ثابِتًا في مَكان لا تَتَعدَّاه، أو يَقتُلوك، أو يُخرِجوك من البلَد؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١١٢]،، ولقوله: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ فيَكون إهلاكُهم في مُقابِل ما يُريدونه من إهلاك الرُّسُل، الرسول - ﷺ - لمَّا همُّوا أن يَقتُلوه أَشار عليهم الشيخُ النَّجديُّ قال: لا يُمكِن أن تَقتُلوا قُرَشيًّا، إلَّا أن يكون عشَرة شُبَّان أقوياءَ وأَعطَوْا كلَّ واحد منهم سيفًا، فإذا خرَج محُمَّد فلْيَقتُلوه ضربة رجُل واحِد، حتى يَتفَرَّق دمُه في القبائِل فلا تَستَطيع قُرَيْش أن تُطالِب به، فيَخضَعوا لأَخْذ الدِّيَة (^١). إِذَنْ هَمُّوا بقَتْله، واليَهود همُّوا بقَتْله في قِصَّة بني النضير (^٢).
وقوله: ﴿عِقَابِ﴾ قد يُشكِل على الناظِر لأَوَّل وَهْلة كيف كان مجَرورًا مع أنَّه مُبتَدَأ أو خبر مُبتَدَأ، فحمال: إنه ليس بمَجرور، وأن الأصل عِقابي، فحُذِفَت الياء تَخفيفًا والكَسْرة قبلها دَليلٌ عليها.
قال المفَسِّر ﵀: [أي: هو واقِع مَوْقِعه] وهذا بِناءً على أنَّ الاستِفهام تَقريريٌّ،
_________________
(١) انظر: سيرة ابن هشام (١/ ٤٨٢).
(٢) انظر: سيرة ابن هشام (٢/ ١٩٠).
[ ٧٧ ]
وإذا قلنا: للتَّعظيم يَكون المَعنى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ أي: فما أَعظَمَ عِقابي، وأَشَدَّه حيث أَزالَهم عن آخِرهم! .