* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ لمَّا ذكَر الساعة ذكَر ما يَكون به الوِقاية من وَبالهِا، وهو دُعاء الله، فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾ وأَتَى بجُملة بصيغة الغَيْبة تَعظيمًا له ﷿ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ﴾ ولم يَقُل: أَقولُ، أو قُلْنا. أو ما أَشبَهَ ذلك تَعظيمًا لله.
وقوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ﴿ادْعُونِي﴾ أَمْر، و﴿أَسْتَجِبْ﴾ جوابُه جَواب الطلَب، والدَّعْوة هنا تَشمَل دُعاء المَسأَلة ودُعاء العِبادة، فدُعاء المَسأَلة أن يَقول الإنسان: يا رَبِّ اغفِرْ لي. ودُعاء العِبادة أن يَتَعبَّد لله ﷾ بما شرَع، وإنما كانَتِ العِبادة دُعاءً؛ لأنها مُتضَمِّنةٌ لطلَب الإنسان النَّجاة من النار ودُخول الجنَّة، لو سألت كلَّ عابِد: لِمَ تَدعُو الله؟ قال: أُريد أن أَنجوَ من النار وأَدخُل في رحمة الله، إِذَنْ فهو مُتضمِّن للدُّعاء بلِسان الحال.
وقوله: ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ نُفسِّرها في مُقابِل دُعاء المَسأَلة بإعطائكم ما سأَلْتم، ونُفسِّرها بدُعاء العِبادة بالقَبول. يَعنِي: أَتقَبَّل منكم. فاستِجابة الله تعالى لدُعاء المَسأَلة أن يُعطِيَ السائِل ما سأَل، واستِجابته لدُعاء العِبادة أن يَتَقبَّل من العابِد.
[ ٤١٤ ]
قال المفَسِّر ﵀: [أي: ادْعُوني أُثِبْكم بقَرينة ما بعدَه، وهذا التَّفسيرُ بِناءً على تقدَّم يُعتبر تَفسيرًا قاصِرًا، وأمَّا ما بعده فليس قَرينة لتَخصيص هذا، بل نَقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِيَ﴾ تَدُلُّ على أن الدُّعاء عِبادة؛ لأنه قال: ﴿ادْعُونِي﴾، ثُمَّ قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ ولا شَكَّ أن الذي يَستكبِر عن دُعاء الله ويَرَى أنه غَنيٌّ عن الله وليس محُتاجًا إليه لا شَكَّ أنه مُستَحِقٌّ لهذا الوَعيدِ، وهو أنه سيَدخُل جَهنَّمَ صاغِرًا.
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ هذا من جُملة المَقول ﴿سَيَدْخُلُونَ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [بفَتْح الياء وضَمِّ الخاء وبالعَكْس] "يُدخَلون" وهُما قِراءَتان سَبْعيتان صَحيحتان.
﴿جَهَنَّمَ﴾ اسمٌ للنار، وهو اسمٌ مُعرَب وأَصلُه -على ما قيل- كهَنَّام، وقيل: بل هو عرَبيٌّ، والنون فيه زائِدة وأَصلُه من الجهمة يَعنِي: الظُّلْمة، وأيًّا كان فهو علَمٌ على النار، أَجارَنا الله وإيَّاكُم منها.
وقوله: ﴿دَاخِرِينَ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [صاغِرين] الداخِر: الصاغِر.