* * *
* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر: ٩].
* * *
ثُم قال الله تعالى: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾، هذا مَعطوف على ما سبَقَ، على قوله: ﴿وَأَدْخِلْهُمْ﴾؛ أي: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ والجُملة فِعْل أَمْر وفاعِل ومَفعول به، بل ومَفعولان، الجُملة تَتضمَّن فِعلًا وفاعِلًا ومَفعولين، الفِعل (قِ)، والفاعِل مُستَتِر وجوبًا، والمَفعول الأوَّل الهاء، والمَفعول الثاني السَّيِّئات، و(قِ) هنا فِعْل أَمْر، لكنه مُكوَّن من حَرْف واحد بعد أن حُذِف منه حُرْفان؛ الأوَّل والثالث، وهكذا كل مِثال ناقِص إذا كان ثلاثِيًّا فإن فِعْل الأمر منه على حَرْف واحِد، هذه القاعِدةُ، كل مِثال ناقِص ففِعْل الأَمْر منه إذا كان ثُلاثيًّا على حَرْف واحد.
والمِثال هو: الذي أوَّله حَرْف عِلَّة، والناقِص: الذي آخِره حَرْف عِلَّة.
إِذَنِ: القاعِدة هذه تَشمَل أمثِلة كَثيرة، وقد جمَعها الخُضَريُّ في حاشِية ابن عَقيل على ألفية ابنِ مالِك (^١) جمَعَها في أبيات، منها: قِ فِ عِ يَعنِي عدَّد، لكن الضابِط هو هذا، كل ثُلاثي كان مِثالًا ناقِصًا ففِعْل الأمر منه على حَرْف واحِد.
وقوله: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [أي: عَذابها]، وهذا إذا جعَلْنا
_________________
(١) حاشية الخضري على شرح ابن عقيل (١/ ٣١).
[ ١١١ ]
السيِّئاتِ بمَعنى الأعمال السيِّئاتِ، فإنه يَتعيَّن أن نُفسِّر ذلك بعذاب السَّيِّئات؛ لأنَّ عمَل السَّيِّئات الآنَ قد انتَهَى وقته، وإنَّما المَوْجود هو الجزاء، فيُفسَّر حينَئِذٍ بالعذاب.
وأمَّا إذا فسَّرْنا السَّيِّئاتِ بما يَسوء دون العمَل الذي يَقَع من العبد، فإنه لا حاجةَ إلى أن نَقول: عذابها؛ لأنَّ العَذاب ممَّا يَسوء، فكأنهم قالوا: وقِهِم ما يَسوؤُهم من العذاب، والقاعِدة في التَّفسير وفي شَرْح الأحاديث: أنَّه إذا دار الأَمْر بين احتِمال التَّقدير وعدَم التَّقدير، فالأَوْلى عدَمُ التَّقدير، وعلى هذا فنَقول: السَّيِّئاتُ هنا لا يُراد بها الأعمال السَّيِّئات التي هي فِعْل العَبْد قطعًا؛ لأن هذا قد انتَهَى، وإنَّما يُراد بالسَّيِّئات ما يَسوء من أعمال، ومن عُقوبات، ومن عادات، ومن غير ذلك.
قال المفَسِّر ﵀: [﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ﴾ يوم القِيامة ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾] مَنْ شرطيَّة، وجُملة ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ جواب الشَّرْط، وإنَّما اقتَرَن جواب الشَّرْط بالفاء؛ لأنه مَبدوء ب (قَدْ)، وجواب الشَّرْط إذا بُدِئ ب (قَدْ) وجَب اقتِرانه بالفاء، وله نَظائِرُ ممَّا يَجِب اقتِرانه بالفاء.
المُهِمُّ: أنه يَجِب ارتباط جواب الشَّرْط بالفاء إذا وقَع واحِدًا من سبعة أُمور، مَجموعة في قول الناظِمِ:
اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ (^١)
التَّنفيس يَشمَل سوف والسِّين، وهذه الآيةُ من نوع قوله: ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾.
قوله: ﴿وَذَلِكَ﴾ المُشار إليه وِقاية السَّيِّئات والرحمة ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ﴿هُوَ﴾: يَجوز أن تَكون مُبتَدَأ، و﴿الْفَوْزُ﴾ خبَرُه، والجُملة من المُبتَدَأ الثاني وخبَرِه
_________________
(١) غير منسوب، وانظر النحو الوافي (٤/ ٤٦٣).
[ ١١٢ ]
خبَرُ المُبتَدَأ الأوَّل، ويَجوز أن تَكون ﴿هُوَ﴾ ضميرَ فَصْل لا مَحَلَّ لها من الإعراب، وَيكون التقديرُ: وذلك الفوزُ العَظيم، ويُؤيِّد هذا أنَّها تَأتي بهذه الصِّيغةِ في بعض المَواضِع ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
وضَمير الفَصْل من حيثُ الإعرابُ لا مَحَلَّ له من الإعراب، أمَّا من حَيثُ المَعنَى فله ثَلاثُ فَوائِدُ:
الفائِدةُ الأُولى: الحصْر.
والفائِدة الثانية: التَّوْكيد.
والفائِدة الثالِثة: التَّمييز بين الصّفة والخَبَر.
والتمييز بين الخَبَر والصِّفة يَظهَر هذا في المِثال.
إذا قُلت: زيدٌ الفاضِلُ. وأنت تُريد أن تَكُون (الفاضِلُ) خبَرَ المُبتَدَأ، فإنَّه يحتَمَل أن تَكُون (الفاضِلُ) صِفةً، والخَبَر لم يأتِ بعدُ، ويُحتَمَل أن يَكون المُرادُ زيدٌ الفاضِل فاهِمٌ، ويُحتَمَل أن تَكُون (الفاضِل) خبَرَ المُبتَدَأ، فإذا جاءَت زيدٌ هو الفاضِل، زال الإشكال، وتَعيَّن أن تَكُون (الفاضِل) خَبَر المُبتدَأ.
أمَّا التَّوْكيد والحصْر فظاهِر؛ لأنك إذا قلت: زَيدٌ هو الفاضِلُ. أكَّدْت أنه فاضِل، وحمَرْت الفَضْل فيه.
وقوله: ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، الفَوْز: حُصول المَطلوب والنَّجاة من المَرهوب، والدَّليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، فالنَّجاةُ من المَرهوب في الآية ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾ وحُصول المَطلوب ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ﴾ ولا تَفسيرَ أبيَنُ وأَوْضحُ من تَفسير الله ﷿، فالفوزُ
[ ١١٣ ]
هو: النَّجاةُ من المَرْهوب وحُصول المَطلوب، والدليل ما سمِعْتم.
وقوله: ﴿الْعَظِيمُ﴾ وَصْف له بالعَظَمة، لأنه لا فوزَ أعظَمُ من هذا، لا فوزَ أعظَمُ من أن يَمُنَّ الله عليك بسُكْنى هذه الدارِ - جعَلَني الله وإيَّاكم من ساكنيها - التي فيها ما لا عَيْنٌ رأَت ولا أُذُنٌ سمِعَت ولا خطَرَ على قَلْب بشَرٍ، كل الناس في الدُّنيا - المُؤمِنون - يَسْعون للوُصول إلى هذه الدارِ، ولهذا لمَّا قال الأَعرابيُّ للنبَّيِّ - ﷺ -: يا رَسول الله، أنا لا أُحسِنُ دَنْدَنَتَكَ ولا دَنْدنةَ مُعاذٍ، ولكِنِّي أَسأَل الله الجَنّةَ، وأَستَعيذُ به من النار فقال: "حَوْلهَمَا نُدَنْدِنُ" (^١)، نحن لا نُريد إلَّا هذا، وهذا الحَديثُ وإن كان في صِحَّته ما فيه، لكن حَقيقة هو هذا، كل المُؤمنين يَعمَلون للوصول إلى هذه الدارِ، وهو - أي: العَمَل لها - يَسير، لكن على مَن يَسَّرَه الله عليه، ومتى يُيَسِّر الله عليك ذلك؛ اسمَعْ إلى قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾، الجوابُ: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧]، اعمَلْ أنت كما قال النَّبيُّ - ﷺ -: "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ" (^٢).