* * *
* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥، ٤٦].
* * *
قال الله تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ هذا أيضًا يَدُلُّ على رَدِّ كلام المفَسِّر؛ لأنهم لو تَوعَّدوه بالقَتْل لم يَكُن هذا مَكرًا، إذ إن المَكْر هو الإيقاع بالغير من حيثُ لا يَشعُر، أمَّا لو تَوعَّدوه بالقَتْل لم يَكُن هذا مَكْرًا، بل كان هذا صَريحًا واضِحًا.
وقوله: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ أي: نَجَّاه من مَكَّرهم السَّيِّئ، فـ ﴿سَيِّئَاتِ﴾ هنا من باب إضافة الصِّفة إلى مَوْصوفها؛ أي: المَكْر السَّيئِّ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]، وقوله: ﴿مَا مَكَرُوا﴾ المَكْر والخِداع والغَدْر، وما أَشبَه ذلك؛ كلُّها ألفاظ مُتقارِبة تَدور حول شيء واحِد، وهو أن تُوقِع بغَيْرك من حيثُ لا يَشعُر، فالكَيْد والمَكْر والخِداع والغَدْر والمُحال، وما أَشبَهَها؛ كل هذه ألفاظ مُتَقارِبة.
قال المفَسِّر ﵀: [﴿مَا مَكَرُوا﴾ به من القَتْل] بيَّن في هذا أنَّ العائِد على الصِّلة في قوله: ﴿مَا﴾ محَذوف، والتَّقدير: ما مكَروا به.
قال المفَسِّر ﵀: [﴿وَحَاقَ﴾ هو نزَل ﴿بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ قومه مَعَه ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾
[ ٣٤٢ ]
الغرَق] (حاقَ) بمَعنَى: نزَل، لكن تَشعُر بأنها ليسَت بمَعنَى: نزَلَ من كلِّ وَجْه، وأن تَفسيرها بالنُّزول تَفسير تَقريبيٌّ، (حاق): القاف قَريبة من الطاء فكأن المَعنَى: حاط بهم، وهذا أَشَدُّ من نزَلَ، فالظاهِر أن (حاقَ) بمَعنَى: نزَلَ محُيطًا بهم، وليسَت بمَعنَى: نزَل على وجه مجُرَّد بدون إضافة مَعنًى.
وقوله: ﴿بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [قومِه]، وقال غيرُه: أَتباعِه، والظاهِر أنَّ المعنى مُتقارِب؛ لأن الذين اتَّبَعوه إنما هم قَوْمه، وأمَّا بنو إسرائيلَ فإنهم لم يَتَّبِعوه، بل كان يَذبَح أبناءَهُم ويَستَحْيِ نِساءَهم.
وقول المفَسِّر ﵀: [مَعَه] ذكَرَها لئَلَّا يَظُنَّ الظانُّ أن العَذاب نزَل بآل فِرعونَ دونه، ولكن هذا لا يُمكِن أبدًا، إذا كان آلُ فِرعونَ إنَّما نزَل بهم العَذاب؛ لأنهم كفَروا بالله، ففِرعونُ أَكفَرُ بالله من هَؤلاءِ، ثُم إنَّ الظاهِر أن الإنسان إذا قال: أَكرِمْ آل فُلان. فإن فُلانًا هو مُقدَّمهم، ولا بُدَّ أن يَدخُل فيهم لُغَة.
وقوله: ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾ هذا أيضًا من باب إِضافة الصِّفة إلى مَوْصوفها. أيِ المَعنَى: العَذاب السَّيِّئ، وفسَّره المفَسِّر بأنه الغرَق، وهذا لا شَكَّ أنه من سُوء العَذاب، لكن هناك عَذابات أُخرى أُصيب بها آلُ فِرعونَ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠)﴾ [الأعراف: ١٣٠]، وقال تعالى: ﴿(١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ﴾ [الأعراف: ١٣٢، ١٣٣]، كل هذا من سُوء العَذاب؛ الطّوفان ليُغرِق ما بُذِر من نَباتهم، والقُمَّل لأَجْل أن يَفسُد ما ظَهَر، والضَّفادِع لتُفسِد الماء؛ لأنَّهم صاروا كلَّما أَخَذوا إناءً يَشرَبونه وجَدوا هذه الضِّفادِعَ قد ملأته، والدم هو نَزيف الدَّمِ إمَّا من الأنف أو من غيره، فعُوقِبوا من كل وَجْه، ففي الزُّروع: غَرَق،
[ ٣٤٣ ]
وفيما ما ادخَّروه: قُمَّل، وفي الماء: ضَفادِعُ، وبعد أن يَصِل إلى الجِسْم ويَتَغذَّى به الجِسم: يَخرُج يَنزِف دمًا، فهَلكوا.
وهذا فيه التَّرْتيب والدرَجات: الطُّوفان غرَق الزُّروع، والجَراد تَأكُل الزرع، الطوفان يُغرِق ما بُذِر، والجراد يَأكُل ما ظهَر، والقُمَّل يُفسِد ما ادُّخِر، والضَّفادِع تُفسِد الماء، والدمُ وهو النَّزيف تُذهِب ما حصل من الغِذاء بالطَّعام الذي يُقدَّر أنه سلِمَ من هذه الآفاتِ، فهذا من سوء العَذاب، والنِّهاية هي الغَرَق: أنَّ الله أَغرَق آل فِرعونَ بالبَحْر.
وقوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ هذه الجُملةُ مُستَأنفة، فـ ﴿النَّارُ﴾ مُبتَدَأ، و﴿يُعْرَضُونَ﴾ الجُمْلة خبَرُها.
وقوله: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾، ليس مَعناها أنها تُحرِقهم؛ لأن الله لو أَراد ذلك لقال: النار يَصلَوْنها غُدُوًّا وعَشيًّا، لكنهم يُعرَضون عليها، فيَأتِيهم مِن سَمومها وعَذابها ما لا يُطيقون -والعِياذُ بالله- يُعرَضون عليها غُدُوًّا في الصباح، وعَشِيًّا في المَساء، والظاهِر أنَّ المُراد الدوام، ويُحتَمَل أن المُراد هذان الوَقْتان فقَطْ.
فأمَّا الأوَّل: فقَدْ يُستَدَلُّ له بقوَّل الله ﵎: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] يَعنِي في كل الزَّمَن.
وأمَّا الثاني: فيُمكِن أن يُقال: إن هذا ظاهِر اللَّفْظ؛ أي: في أوَّل النَّهار وآخِره، وأنهم يُعرَضون على النار أوَّل النهار، ثُم إذا صُرِفوا عنها أَمَّلوا أنَّها لا تَعود إليهم فتَعود إليهم، فيَكون هذا أشَدَّ من الاستِمْرار؛ لأنَّ كون الإنسان يُؤمِّل ارتفاع العَذاب عنه ثُم يَعود أشَدَّ من كَوْنه مُستَمِرًّا آيِسًا من زواله؛ ولهذا قال الله تعالى في أصحاب النار: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠].
[ ٣٤٤ ]
قال المفَسِّر ﵀: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ يُقال: "ادْخُلوا" يا ﴿آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ هذه قِراءَة] ﴿أَدْخِلُوا﴾ أَمْر والمَقْصود به الإهانة والإِذْلال، بخِلاف قوله تعالى لأهل الجَنَّة: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦)﴾ [الحجر: ٤٦] هذه للإِكْرام، أمَّا هذه: "ادْخُلُوا آلَ فِرْعَونَ" هذه للإِهانة، والعِياذُ بالله.
وقوله: ﴿آلَ﴾ فسَّرها المفَسِّر بقوله: [يا آلَ] إشارة إلى أنها مَنصوبة بـ (يا) النِّداء المحذوفة، ادْخُلوا يا آلَ فِرعونَ، قال ﵀: [وفي قِراءة بفَتْح الهمْزة وكَسْر الخاء، أَمْر للمَلائِكة]: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾، يَعنِي: ويوم القِيامة يُقال للمَلائِكة: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾.
قال المفَسِّر ﵀: [﴿أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ عَذاب جَهنَّمَ] نَسأَل الله العافِيةَ.