* * *
* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٧، ٤٨].
* * *
قال الله ﵎: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ﴾ يَعنِي: يَذكُر إذ يَتَحاجُّون في النار؛ أي: يُدلِي كلُّ واحِد منهم بحُجَّته، و(إذ) ظَرْف عامِله محَذوف قدَّره المفَسِّر ﵀ بقوله: [اذكُرْ إِذْ يَتَحاجُّون].
وحَذْف ما يُعلَم كثيرٌ في القرآن وفي اللُّغة العرَبية، لكن التَّرتيب والزَّحْلقة هذا قليلٌ، إلَّا أني قُلتُ: إن الإِخْلال بالتَّرْتيب هنا أَيسَرُ للإنسان؛ لأنه أحيانًا حَقيقة تَرِد عليك آياتٌ لا تَدرِي بما تُقدَّر، إلَّا أن تَقول: إن عرَفْت التَّقدير فاسلُكِ الأَقعَد، وإن لم تَعرِف فاسلُكِ الأَسهَل؛ لتكون مُتَتبِّعًا للرُّخَص -يَعنِي: رُخَص النَّحويين- فلا مانع في هذا، نحن قُلنا قاعِدةً مُفيدة فيما إذا اختَلَف النَّحويُّون في شيء فالصَّواب الأَسهَل.
والمُحاجَّة هي المُخاصَمة وإدلاء كلٍّ بحُجَّته على الآخَر، وقوله: ﴿فِي النَّارِ﴾ يُفيد أن هَؤلاءِ المتخاصِمين هم أهل النار، وهي مُتعلِّقة بـ ﴿يَتَحَاجُّونَ﴾.
[ ٣٥١ ]
ثُم بيَّن هذه المُحاجَّةَ فقال: ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ الضُّعَفاء إمَّا في المال، وإمَّا في الشرَف والسِّيادة، وإمَّا في غير ذلك، مِمَّا يُعَدُّ ضَعْفًا، والغالِب أن الضَّعيف يَتبَع القَويَّ وقوله: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾؛ أي: تَكبَّروا من الكِبْرياء والعظَمة، والسين والتاء فيها للمُبالَغة ﴿إِنَّا كُنَّا﴾ يَعنِي: في الدُّنيا ﴿لَكُمْ تَبَعًا﴾ قال المفَسِّر ﵀: [جَمْع تابعٍ] أي: مُتَّبِعين ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ يَعنِي: هل تُجازونَنا على مُتابَعَتِنا إيَّاكُم بأن تَتَحمَّلوا عنَّا شيئًا من النار؟ وقولهم: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [دافِعون ﴿عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ جُزءًا من النار].
انظُرْ كيف يَتَوسَّل هؤلاءِ الضُّعفاءُ إلى الذين استكْبَروا، كيف يَتَوسَّلون إليهم بما قدَّموا من مُتابَعَتهم، ليَتَحمَّلوا عنهم نصيبًا من النار، فكان جَوابُ الذين استكْبَروا: وقوله: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ وإذا كُنَّا كلًّا فيها فكَيْف نُغنِيكم نصيبًا من النار؟ ! وهذه حُجَّة ببَيان الواقِع.
وقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ حكَم بينهم بحُكْمه الجَزائِيِّ؛ لأن أَحكام الله ﷿ ثلاثة: قدَريٌّ، وشَرعيٌّ، وجَزائيٌّ. والجَزائيُّ من القدَريِّ في الواقِع، لكن بعض العُلَماء يَجعَله مُنفَصِلًا لأهمِّيَّته؛ لأنه هو الغاية، وقوله: ﴿حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ يَعنِي: بين الناس عُمومًا، يَعنِي: بين أهل النار وأهل الجنَّة فالعُبودية هنا بمَعنَى العُبودية العامة الشامِلة؛ لأن العُبودية عامَّة وخاصَّة.