الْفَائِدَةُ الأُولَى: وُجوب الإنذار على رَسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -؛ لقوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾ والأَصْل في الأَمْر الوُجوب لا سِيَّما أن الرسول - ﷺ - مُكلَّفٌ بذلك.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّه يَنبَغي للداعِية أن يَكون مُخوِّفًا أحيانًا ومُبشِّرًا أحيانًا، أمَّا البِشارة أحيانًا ففي آياتٍ كَثيرة، ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٣]، ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وما أَشبَه ذلك، وأمَّا الإنذار فكذَلِك في مثل هذه الآيةِ؛ فالداعِية يَنبَغي أن يَكون مُنذِرًا مُبشِّرًا من أَجْل أن يُحرِّك القُلوب.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّه يَنبَغي في الإنذار أن يُذكِّر الناسَ أحوالَ يوم القِيامة وأهوالَها؛ لقوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن القيامة قَريبة؛ لقوله: ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ والقُرْب هنا يَعنِي أن الوَقْت يَمضِي بسُرعة؛ حتى لا يَشعُر الإنسان إلَّا وقد قامَت القِيامة، إمَّا قِيامته هو، وتُسمَّى القِيامة الصُّغرى، أو القِيامة العامة.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بَيان هذا التَّمثيلِ العَظيم في حال الناس ذلك اليومَ، ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن هذه الحالِ عامَّة للمُؤمِنين وللكافِرين، دليل ذلك: عُموم قوله: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ﴾، ثُم قوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾؛ فدَلَّ ذلِك على أن الآية عامَّة، ولكن لا يَلحَق المُؤمِنين شَرٌّ من ذلك اليَوْمِ؛ لقول الله تعالى: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾ [الإنسان: ١١]، ومُجرَّد الغَمِّ والهَمِّ لا يَلزَم منه الشَّرُّ والضرَر.
[ ١٨٢ ]
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن القُلوب عند شِدة الخَوْف تَرتَفِع حتى تَبلُغ الحناجِر، وهذا يَشهَد به الواقِع، قال الله - ﵎ - في سورة الأَحْزاب: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]، والإنسان في نَفْسه أيضًا يُحِسُّ أنَّه إذا خاف خوفًا شديدًا، وكأَنَّ قَلْبه قد عُلِّق في حَنجَرته.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن الناس في ذلك اليومِ مع شِدَّة الخَوْف يَمتَلِئون غَمًّا؛ لقوله: ﴿كَاظِمِينَ﴾، والغَمُّ هو: التَّحزُّن، أو التَّهيُّؤ لما يُستَقبَل، فالغَمُّ في المُستَقبَل، والهَمُّ والحُزْن في الماضِي.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: تَقطُّع الأسباب بالظالمِين؛ فلا يَجِدون حميمًا ولا شفيعًا؛ لقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]، والمُراد بالظالمِين ما سبَقَ، وهُمُ الكافِرون.
فإن قال قائِل: الظُّلْم أَعَمُّ من الكُفْر، فكيف فسَّرْتُمُ الظُّلْم هنا بالكُفْر؟
قُلْنا: لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]؛ ولأن ما دون الكُفْر من المَعاصِي تُمكِن فيه الشَّفاعة؛ فإن الشَّفاعة ثابِتة لأَهْل الكبائِر من هذه الأُمَّةِ.
فإن قال قائِل: هل تَقَع الكبائر من الأنبياء؟
فالجوابُ: تَقَع، لكن يَتوبون منها، فإن موسى - ﵇ - قَتَل نفسًا بغير حَقٍّ، أو لم يُؤذَن له فيها، ويَقَع هذا سواءٌ قبل النُّبوَّة أو بعدها؛ ولهذا فهو - ﵇ - اعتَذَر بذلك في طلَب الشفاعة.
[ ١٨٣ ]
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: تَحذير هَؤلاء الكُفَّار من ذلك اليومِ؛ فإنهم في الدُّنيا يَجِدون مَن يُناصِرهم ويُواليهم، ويُساعِدهم ويُعاوِنهم، ولكن في الآخِرة لا يَجِدون شيئًا من ذلك.
* * *
[ ١٨٤ ]