الْفَائِدَةُ الأُولَى: بَيانُ سبَب إهلاك الأُمَم، وأنَّ ذلك بذُنوبهم؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثبات عَدْل الله ﷿ وأنه لا يُؤاخِذ أحَدًا بدون ذَنْب؛ لقَوْله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾.
[ ٢١٣ ]
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّه ما من أُمَّة خلَتْ إلَّا وقد جاءَتْها رُسُلها؛ لقوله: ﴿كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ كُلُّ أُمَّة جاءَها نَذيرٌ وجاءَها رَسولٌ أَنذَرها وبَيَّن لها، وقد أَقرَّت هذه الأُمَمُ بذلك، قال الله ﵎ في سورة المُلْك: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا﴾ أي: في النار ﴿فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٨ - ٩] ثُم قالوا: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠].
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، وهذا من تمَام رحمة الله ﷿ وحِكْمته أَنْ أَرسَل الرُّسُل مُبشِّرين ومُنذِرين، لئَلَّا يَكون للناس على الله حُجَّة بعد الرُّسُل، ولأَجْل مَصْلَحة الخلْق، نحن لولا رَسولِ الله ﵊ أَرسَله الله إلينا، لا نَعرِف كيف نَتَوضَّأ، لا نَعرِف كيف نُصلِّي.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الرُّسُل عليهم الصلاة والسلام بُعِثوا بالآيات البَيِّنة الظاهِرة.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إقامة الحُجَّة على الخلْق بإِرْسال الرُّسُل أوَّلًا، ثُمَّ بتَأيِيدهم بالآيات البَيِّنات، التي لا تَدَعُ مَجالًا للشَّكِّ أو للإنكار.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ هؤلاء الذين وصَل إليهم، لم يَشكُروا النِّعْمة، بل بادَروا بالكُفْر والتَّكذيب.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنه لو تَأمَّل العاقِل ما جاءَت به الرُّسُل، ما أدَّى ذلك إلى كُفْره؛ لكنَّ غالب المُكَذِّبين للرُّسل يُبَادِرُون بالتكذيب، قال الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠].
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: إِثْبات الأسباب، وأنَّ الله تعالى ربَط المُسبَّبات بأسبابها، وهذا
[ ٢١٤ ]
يَدُلُّ على تمَام حِكْمَة الله، وأنه ﷿ لم يَفعَل شيئًا عبَثًا، ولا لمُجَرَّد المَشيئة، خِلافًا لمَن قال من الجبْرية وغيرهم: إنَّ الله تعالى يَفعَل ما يَشاء لمُجرَّد المَشيئة، وليس لحِكْمة. وأَنكَروا حِكْمة الله، وقالوا: إنَّ الحِكْمة تَقتَضي النَّقْص. وهذا من غَرائِب الأفهام، الحِكْمة تَقتَضي النَّقْص! ! قالوا: نعَمْ؛ لأن الحِكْمة غرَض، فإذا فعَل لكذا، فإنه محُتاجٌ لهذا الغرَضِ! !
فيُقال لهم: تبًّا لكم ولأفهامِكُم، الحِكْمَةُ هي غايةُ الحُكْم؛ أي: أنَّ الحِكْمَة أكبرُ ما يَدُلُّ على البُعْد عن السَّفَه واللَّعِب، وأمَّا قولُكم: إنَّ الحِكْمة غرَض؛ فإذا قُلتُمْ: إن الله فعَل كذا لكذا. لزِم من ذلك أن يَكون الله محُتاجًا إليه، فيُقال: الحِكْمة التي يَشرَع الله الشرائِعَ من أَجْلها لا تَعود إلى نَفْسه، إلَّا من حيثُ الكمال فقَطْ، أمَّا المَصلَحة فالذي يَنتَفِع بها الخلْق، أمَّا الله ﷿ فإنَّ حِكْمَتَه لا تَعُود إليه بشيء سِوى بيان كَمال صِفاته ﷿.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إثبات القَويِّ اسمًا من أسماء الله، وهو من الأسماء اللَّازِمة، وعلى هذا لا بُدَّ من إثباته وإثبات ما دلَّ عليه من الصِّفة وهي القوَّة.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أن الله تعالى شَديد العِقاب، ولكن لمَن عَصاه.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: التَّحذير من مخُالَفة الله؛ لأنَّه قوِيٌّ وشديدُ العِقَاب، فيا وَيحَ مَن خالَف أَمْر ربِّه؛ فإنَّه سيَتعرَّض لشِدَّة العَذاب من ذي قُوَّة لا يَلحَقها ضَعْف ﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
[ ٢١٥ ]