الْفَائِدَةُ الأُولَى: قُوَّة موسى ﵊ وصَراحته؛ حيث أَعلَن أمام مُهدِّديه بالقَتْل بأنه عاذَ بالله ربِّه وربِّهم؛ لقوله: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٧].
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: قوَّةُ تَوكُّله ﵊، حيث اعتَمَد على الله أمام هذا الطاغِيةِ
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، رقم (٩١)، من حديث ابن مسعود - ﵁ -.
[ ٢٣٧ ]
الذي يَسْهُل عليه أن يُنفِّذ ما تَوعَّد به.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: وَصْف فِرعونَ بهذَيْن الوَصْفين الذَّميمَيْن: التَّكبُّر، وأنَّه لا يُؤمِن بيَوْم الحِساب.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: العُدول إلى العُموم دون الخُصوص؛ لأنه لم يَقُل: إني عُذْت برَبِّي وربِّكم من فِرعونَ، ولكن قال: ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ [غافر: ٢٧]، ليَعُمَّ فِرعونَ وغير فِرعونَ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنه إذا جاءَت بصِيغة العُموم وبالوَصْف انطَبَقت على فِرعونَ، وبَيَّنت أنه مُتَّصِف بالاستِكْبار، وكذلك الكُفْر بيَوم الحِساب.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات يَوْم الحِساب، وهو يوم القِيامة، والحِساب ليس مُناقَشة الإنسان على عمَله؛ لأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: "مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ عُذِّبَ" (^١)؛ لأن الله لو ناقَشَك لكانت نِعْمة من نِعَمه تُغطِّي جَميع الحَسَنات التي قُمْت بها، بل إن حَسَناتك التي قُمْت بها نِعْمة من الله ﷿ تَحتاج إلى شُكْر، ثُم إذا وُفِّقت لشُكْرها تَحتاج إلى شُكْر آخَرَ للتَّوْفيق إلى الشُّكْر، ثُم هَلُمَّ جرًّا؛ ولهذا قال الشاعِرُ:
إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ الله نِعْمَةً عَليَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ
فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ وَإِنْ طَالَتِ الْأيَّامُ وَاتَّصَلَ الْعُمْرُ
وهذا صَحيح؛ فالحِساب هو أنَّ الله تعالى يَخلو بعَبْده المُؤمِن، ويُقرِّره بذُنوبه،
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الرقاق، باب من نوقش الحساب عذب، رقم (٦٥٣٦)، ومسلم: كتاب الجنة، باب إثبات الحساب، رقم (٢٨٧٦)، من حديث عائشة - ﵂ -.
[ ٢٣٨ ]
فيَقول: عمِلت كذا، عمِلت كذا؛ فإذا أَقَرَّ قال: قد سَترتها عليك في الدُّنيا، وأنا أَغفِرها لك اليومَ، أمَّا الكُفَّار فإنهم لا يُحاسَبون محُاسَبة مَن تُوزَن حَسَناته، وسَيِّئاته، لأنه ليس لهم حَسَنات، ولكن تُحصَى أعمالهم، ويُوقَفون عليها، ويُخزَوْن بها، يَعنِي: يُذلُّون بها، ويُقال: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]؛ هذا هو حِساب الكُفَّار، وذاك حِساب المُؤمِنين.
[ ٢٣٩ ]