الْفَائِدَةُ الأُولَى: تَأكيد نَصْر الله ﷾ للرُّسُل والذين آمَنوا؛ لقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾.
وفي هَذه الآيةِ شُبْهة استَدَلَّ بها النَّصْرانيُّ يَقول: إن الله ثالِث ثَلاثة. ولي علَيْكم دَليل وهو قوله: ﴿إِنَّا﴾ وقوله: ﴿نَحنُ﴾ وقوله: ﴿نُرِيهِم﴾، وما أَشبَهَها، مِمَّا يَدُلُّ على الجَمْع، فإِذَن أنا أَقولُ: يَقولُ النَّصرانيُّ: إن الله ثالِث ثَلاثة ولِي حُجَّة. فنُجيبه بقولنا: إنَّك مِمَّن زاغَ قَلْبه؛ لأنك اتَّبَعْت المُتَشابِه، والله ﷿ يَقولُ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧] وترَكْت المُحكَم المُؤكِّد بأن الله واحِد لا شَريكَ له، مِثْل قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]، ومثْل قوله في تَكذيب هَؤلاءِ النَّصارَى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣].
[ ٣٦٧ ]
فهذا النَّصرانيُّ اتَّبَع المُتَشابِه، وكذلك كل مُبطِل يَحتَجُّ بآية فإنه يَكون مِمَّن اتَّبَع المتشابِه، والله ﷿ حَكيم جعَل في آياته الشَّرْعية وآياته الكَوْنية أيضًا ما يَكون مُتَشابِهًا؛ ابتِلاءً وامتِحانًا للذين آمَنوا والذين في قُلوبهم زَيْغ، الآنَ انظُرْ إلى القُرآن وانظُر إلى السُّنَّة تَجِد في بعض الأحاديث، وفي بعض الآيات ما ظاهِرُه التَّعارُض، أو في بعض الأحاديث أو في بعض الآيات ما ظاهِرُه باطِل مثَلًا، هذا إن سلَّمْنا، وأن ليس في القُرآن ولا في السُّنَّة الصحيحة ما ظاهِرُه باطِل إطلاقًا، لكن هذا من باب التَّنزُّل مع الخَصْم، نَقول هذا من بابِ الابتِلاء والامتِحان.
كذلك في الآياتِ الكَوْنية نَجِد أن الله تعالى يُصيب الناس بكَوارِثَ عَظيمةٍ تمَوت بها الأَنفُس، تُدمَّر بها البِلاد يُفسَد بها الحرْث والنَّسْل؛ حتى يَبلوَ العِباد ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١]، وانتَبِهْ لهذه النُّقْطةِ، وهي امتِحان الله تعالى للعِباد بما يَأتِي من الآيات الشَّرْعية والآيات الكَوْنية، إِذَنْ ردَدْنا على النَّصرانيِّ الذي ادَّعَى تَعدُّد الآلهة محُتَجًّا بمِثْل قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا ﴾ إلى آخِره.
وفي الآية إِشْكال، وهو أن الله تعالى ذَكَر أن من الناس مَن يَقتُلون الأنبياء بغَيْر حقٍّ، فأين النَّصْر في الحياة الدنيا لمَن قُتِل؟
والجوابُ من أَحَد وَجْهين:
أ- إمَّا أن يَكون المُراد بالنَّصْر نَصْر ما جاؤُوا به من الشَّرْع، وبيان أنه حَقٌّ، وهذا ثابِت لكل رَسول، وتَأْييد ما جاء به الرَّسولُ لا شَكَّ أنه نَصْر له، وحينَئِذٍ لا يُستَثْنى من الرُّسُل أحَدٌ إذا قُلْنا: إن المُراد بالنَّصْر نَصْر ما جاؤُوا به من الحقِّ.
ب- وإمَّا أن يُراد بـ ﴿رُسُلَنَا﴾ الذين أُمِروا بالجِهاد؛ لأن النَّصْر يَقتَضِي أن يَكون هناك جِهاد يَنتَصِر فيه أحَدُ الطرَفَيْن على الآخَر، فيَكون المُراد بالرُّسُل هنا
[ ٣٦٨ ]
ليس جَميع الرُّسُل، بل مَن أُمِروا بالجِهاد.
وحِينَئِذٍ يَزول الإشكال، هذا باعتِبار النَّصْر في الحياة الدنيا، أمَّا باعتِبار النَّصْر يوم يَقومُ الأَشهاد، فلا يُستَثْنى أحَدٌ ولا إشكالَ فيه.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن نَصْر الله العَبْدَ في الدنيا نِعْمة، يَعنِي: للإنسان أن يَفرَح بما أَعطاه الله تعالى من النَّصْر، سواء نَصْرًا فِعْليَّا أو قَوليًّا.
المُهِمُّ: أن الإنسان إذا نصَره الله ﷿ على مَن ناوَأَه يُعتبَر هذا نِعْمة ومِنَّة من الله ﷿؛ فلْيَفرَح به الإنسان لقَوْل الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨].
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات الأَشْهاد يوم القِيامة، لقوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: التَّحْذير من مخُالَفة الرُّسُل من ذلك اليومِ الذي يَقوم فيه الأَشْهاد؛ لأن في ذلك اليومِ لا يَستَطيع أحَدٌ أن يَكذِب. يَعنِيْ لو أن الإنسان أَنكَر وكذَّب فستَشهَد عليه جَوارِحه، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، يَقولون هذا؛ لأنَّهم يُشاهِدون المُخلِصين يُنصَرون يومَ القِيامة، فيَقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ رجاءَ أن ينجوا معهم، يَقول الله ﷿: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: ٢٤]، هم كذَبوا على أَنفُسهم؛ لأنهم يَقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ وهُم مُشرِكون، بل قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨].
الآنَ استَدْرَكْنا على المفَسِّر ﵀ قَصْره: ﴿الْأَشْهَادُ﴾ على المَلائِكة، وقُلْنا: إنها أعَمُّ.
[ ٣٦٩ ]