الْفَائِدَةُ الأُولَى: بَيان حال الذين يُجادِلون في آيات الله، وأنه ليس لهُمْ دَليل فيما يُجادِلون به، ثُم إن الجِدال في آيات الله يَنقَسِم إلى قِسْمين:
جِدال لإثبات الحَقِّ وإبطال الباطِل وهذا مَأْمور به؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].
وجِدالٌ بالعَكْس لإثبات الباطِل وإبطال الحَقِّ، وهذا هو المَذْموم، وعليه تَتَنزَّل مِثْل هذه الآياتِ الكَريمةِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثباتُ آيات الله ﷿ وهي كما قُلْنا في التَّفْسير شَرْعية وكَوْنية.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الحامِلَ لهؤلاءِ المُجادِلين هو الكِبْر والتَّعالِي؛ لقوله: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن هَؤلاءِ لم يَبلُغوا مُرادَهم بما يُجادِلون به؛ لقوله: ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ وقد أَشارَ الله ﷾ إلى هذا في قوله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]، فتَأمَّل هذه العِباراتِ القَوِيَّةَ ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ قَذْف وهو الرَّميُ بشِدَّة ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾؛ أي: يَصِل إلى أُمِّ دِماغه فإذا هو زاهِق فيَموت في الحال؛ لأن (إذا) فُجائِيَّة، و(إذا) الفُجائِيَّة
[ ٣٩٩ ]
تَدُلُّ على مُفاجأة الشَّيْء.
وهذا يَدُلُّ على أن الحَقَّ غالِب للباطِل ولا مَحالةَ.
فإن قيل: إنَّنا نَجِد المُجادَلة من الكُفَّار أحيانًا لا تُدفَع، يَعجِز الإنسان عن دَفْعها. فالجواب: نعَمْ هذا ربما يَكون، لكن ليسَتِ العِلَّة من الحُجَّة، بل مِن المُحتَجِّ، فالعِلَّة ليست من الحُجَّة، الحُجَّة قائِمة والحقُّ غالِب، لكن العِلَّة من المُحتَجِّ قد يَكون قليلَ العِلْم؛ ولهَذا لا يَنبَغي أن تَدخُل في مُجادَلة غيرك إلَّا ومعَك عِلْم، وقد يَكون قاصِرَ الفَهْم لا يَفهَم، هو عِنده عِلْم لكن لا يَفهَم، وقد يَكون سَيِّئَ القَصْد يُريد الغلَبة فقَط انتِصارًا لقوله، لا انتِصارًا للحَقِّ، وهذا يَخذُل، وقد يَكون لِعِيِّه، ومَعنى العِيِّ أنه ليس عِنده من البَيان والفَصاحة ما يُؤدِّي إلى الغَلَبة؛ لأن البَيان والفَصاحة لَهُما تَأثير كبير في إثبات الحَقِّ، بل قد قال النَّبيُّ ﵊: "إِنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْرَّا" (^١).
فهَذه الأُمورُ الأَربَعة هي الَّتي قد تَجعَل الباطِل يَعلُو ظاهِرًا على الحَقِّ والأربَعة هي واحِد.
أمَّا قِلَّة العِلْم هذه فهي الجَهْل، أو عِيِّه عن التَّعبير عَمَّا في نَفْسه، سُوء القَصْد، الراج قُصور فَهْمه. هذه الأَرْبعة هي التي تَجعَل من الباطِل مَنارًا يَعلو ظاهِرًا على الحقِّ، وأمَّا الحَقُّ نَفْسه فلا يُمكِن إطلاقًا أن يَغلِبه الباطِلُ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الكِبْر سبَب لكُلِّ شَرٍّ؛ ولهذا لا يَدخُل الجَنَّة مَن في قَلْبه
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب النكاح، باب الخطبة، رقم (٥١٤٦)، من حديث ابن عمر - ﵄ -.
[ ٤٠٠ ]
مِثقال حَبَّة خَردَلٍ من كِبْر، ونوع هذا الكِبْرِ الذي في هَؤلاءِ المُجادِلين هل هو بطَر الحَقِّ وغَمْط الناس، هذا الكِبرُ -والعِياذُ بالله- جمَعَ نوعَيِ الكِبْر، وهو غَمْط الحَقِّ ورَدُّه، والثاني ازدِراء الناس بطَر الحَقِّ وغَمْط الناس.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: تَثبيت النَّبيِّ - ﷺ -؛ لقوله: ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: تَيْئيس هَؤلاءِ المُجادِلين بأنهم لن يَبلُغوا مُرادَهم.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أن الاسْتِعاذة بالله في مَقام المُجادَلة مَشروعة؛ لقوله ﷿: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ وذلك أن المُجادِل سيُورِد من الشُّبَه ما يُخشَى أن تُؤثِّر عليه، فإذا استَعاذ بالله واعتَصَم به أَنجاهُ الله من ذلك؛ ولهذا قال: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ في المُجادَلة أَمَر بالاستِعاذة بالله، وعِند الحُكْم أَمَر بالاستِغْفار ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ [النساء: ١٠٦]، وذلك لأن الذُّنوب تَحول بين الإنسان وبين تَبيُّن الحَقِّ، وأمَّا في مَقام المُجادَلة فالإنسان محُتاج إلى مَن يَلتَجِئ إليه وَيعتَصِم به؛ فلهذا قال: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إثبات السَّمْع لله ﷾؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ وإثبات البصَر؛ لقوله ﷿: ﴿الْبَصِيرُ﴾ والسَّمْع ذكَرَ العُلَماء ﵀ أنه يَنقَسِم إلى قِسْمَيْن: الأَوَّل: إدراك المَسموع، والثاني: الاستِجابة.
فأمَّا إدراك المَسموع فيَرِد لمَعانٍ مُتَعدِّدة:
أوَّلًا: بَيانُ سَعة سَمْع الله ﷿، مِثاله قول الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١]؛
[ ٤٠١ ]
ولهذا قالَتْ عائِشةُ: "الحَمْدُ للهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْواتَ" (^١).
الثاني: التَّهديد كقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠].
الثالِث: التَّأيِيد كقوله تعالى لمُوسى وهارونَ: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦].
أمَّا السَّمْع الذي بمَعنى الاستِجابة فكَقَوْله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، أي: مجُيبُه، وكقول المُصلِّي: سمِعَ الله لمَن حَمِدَه. أي: استَجاب لمَنْ حَمِده، وأمَّا البَصيرُ فلها مَعنَيان: المَعنَى الأوَّل: المُدرِك ببَصَره كلَّ شيء فيَكون بمَعنَى الرُّؤْية، والثاني: العِلْم، يَعنِي: أنه عليم بكُلِّ شَيْء.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إثبات السَّمْع والبصَر مَعًا، وهو أدَلُّ على الكَمال من انفِراد أحدِهما، وذلك لأن المُجادِل قد يَقول وقد يَفعَل، فهدَّده الله ﷿ بهذا ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾؛ لأن المُستَعيذ بالله إمَّا أن يَستَعيذ من أَقوال، وإمَّا أن يَستَعيذ من أَفْعال.
_________________
(١) علقه البخاري: كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٩/ ١١٧). ووصله الإمام أحمد (٦/ ٤٦)، والنسائي: كتاب الطلاق، باب الظهار، رقم (٣٤٦٠)، وابن ماجه: في المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية، رقم (١٨٨).
[ ٤٠٢ ]