الْفَائِدَةُ الأُولَى: كَمال قُدْرة الله ﷾ بإيجاد اللَّيْل والنهار، فإن هذا من عَظيم قُدْرته جَلَّ وَعَلَا، هل يَستَطيع البشَر إذا طلَعَت الشَّمْس أن يَرُدُّوها فتَغرُب، وإذا غابت أن يُرجِعوها فتَرجِع؟ أبَدًا، ولِهَذا قال الله ﷾: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ فأَقوُل: الليل والنَّهار الذي جعَله الله
[ ٤٢٤ ]
للعِباد لا يُمكِن لأحَد أن يُغيّرَه إطلاقًا. ثُم إذا نظَرنا أيضًا إلى هذا الليلِ والنَّهار وتُعاقِبه ووُلوجه بعضه ببعض فهو آية أخرى، أحيائا يَزيد الليل، وأحيانًا يَزيد النهار، مَن يَستَطيع أن يَفعَل ذلك إلَّا الله ﷾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تَعليل أحكام الله القَدَرية، كما هو ثابِت في الأحكام الشرعية يَعنِي: أن أحكام الله الكَوْنية لا يُمكِن أن تَكون إلَّا لحِكْمة، يُؤخَذ ذلك من قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا﴾ واللَّام قُلت لكم: إنها للتَّعليل. إِذَنْ جعَل الله ذلك لنَسكُن.
ذكَرْنا أن أحكام الله الكونية مُعلَّلة كأحكامه الشرعية، لكن هل يَلزَم من تَعليلها أن نَعلَم بالعِلَّة؟ لا يَلزَم، إن فتَح الله علينا ما فتَحَ من ذلك فهذا خَيْر منه وفَضْل، وإن حُرِمنا ذلك بذُنوبنا فنحن المُخطِئُون، وما من شيء إلَّا وله حِكْمة.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بَيان مِنَّة الله ﷾ بالليل والنهار؛ حيث جعَل الليل سكَنًا وجعَل النهار مُبصِرًا، يُؤخَذ من قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ لولا هذا ما سكَن الناس، ولهذا تَجِد الإنسان بطَبيعته إذا جاء الليل أَحَبَّ السُّكون، ولولا أنه في عَصْرنا هذا شاعَت الأنوار، وشاعَت الأضواء، وصار الليل كالنهار لوجَدْت لليل لذَّة عَظيمة، ونحن أَدْرَكنا ذلك، تَجِد لذَّة ومحَبَّة للسُّكون وسُكون قَلْب وسُكون بدَن وسُكون نَفْس، ثُم إذا طلَع الفجر وإذا هو كالرُّطَب يَأتِي بعدَ التَّمْر نَفرَح به، جاءَ النهار.
الآنَ ما كأنَّ هناك ليلًا ولا نهارًا، ولذلك لا نَجِد اللَّذَّة التي كُنَّا نَعرِفها من قبلُ، ولعل منكم مَن أَدرَك ذلك، واخرُجوا إلى البادِية، وخُذوا لكم أُسبوعًا، ابعُدوا عن الأنوار تَجِدوا هذا، وهذا من فَضْل الله ﷿ أن جعَل الليل للسكَن والنهار للعمَل.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إن الله ذو فَضْل على الناس، يُؤخَذ ذلك من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ
[ ٤٢٥ ]
لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ وفي آية أُخرى: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، فكَيْف نَجمَع بين التَّعميم والتَّخصيص؟
الجَوابُ: أن نَقول: الفَضْل نَوْعان؛ عامٌّ وخاصٌّ، فالعامُّ لجميع الناس والخاصُّ للمُؤمِنين.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن أكثَرَ عِباد الله لا يَشكُرون الله؛ لقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: التَّحذير من قِياس الأحكام الشرعية بأعمال العِباد؛ بمَعنَى: أننا إذا قُلْنا لشخص: هذا حَرام. قال: كل الناس يَفعَلونه. فيَجعَل المِعيار أعمال الناس، وهذا خطَأ كل الناس يَعمَلونه، ليسَتْ حُجَّة، ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]، الحُجَّة فيما قال الله ورسوله ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، سواءٌ كان الطائِفة الأخرى أكثَرَ من التي قبلَها أو العكس.
إِذَنْ: لا يَجوز أن نَجعَل أعمال الله مِعيارًا للأَحْكام الشرعية.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: وجوبُ شُكْر الله ﷿ والإشارة إلى أن يَكون هذا الشُّكرُ من جِنْس الفَضْل، الشُّكْر يَكون من جِنْس الفضل، فشُكْر صاحِب المال أن يُنفِقَه في سبيل الله، وشُكْر العِلْم نَشْره وتعليمه للجاهِلين، وشُكْر مَن أَعطاه الله شجاعة وقوَّة بدَنية والجِهاد قائِم أن يُجاهِد في سبيل الله.
إِذَنِ: الشُّكْر من جِنْس النِّعَم؛ لأنه قال: ﴿لَذُو فَضْلٍ﴾؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [يونس: ٦٠].
[ ٤٢٦ ]