الْفَائِدَةُ الأُولَى: أن المَلائِكة الذين يَحمِلون العَرْش ومَن حولَه يَسأَلون الله تعالى أن يَقِيَ الذين آمَنوا السَّيِّئاتِ، أي: عذابها حتَّى يَتِمَّ لهم المَطلوب.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (٣/ ٤٧٤)، وأبو داود: كتاب الصلاة، باب في تخفيف الصلاة، رقم (٧٩٢)، من حديث بعض أصحاب النبي - ﷺ -. وأخرجه ابن ماجه: كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة، رقم (٤٤٦)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) أخرجه البخاري: كتاب التفسير، باب قوله ﷾: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾، رقم (٤٩٤٥)، وأخرجه مسلم: كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه، رقم (٢٦٤٧)، من حديث علي بن أبي طالب - ﵁ -.
[ ١١٤ ]
فإن قال قائِل: أَلَيْس هذا حاصِلًا مِمَّا سبَق ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾، ﴿وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾؟
قلنا: بلى، ولكن مَقام الدُّعاء يَنبَغي فيه البَسْط لعِدَّة أَسباب:
السبَب الأوَّل: أنَّ الدُّعاء عِبادة، فكُلَّما بسَطْتَ فيه ازدَدْتَ تَعبُّدًا لله، وازدَدْتَ ثَوابًا وأَجْرًا.
الثاني: أنَّ البَسْط فيه التَّفصيل، والتَّفصيل خَيْر من الإجمال؛ لأنَّ الإِجْمال قد يَنسَى الإنسان فيه أَشياءَ مُهِمَّةً، ولا تَطرَأ على باله، لكن إذا فصَّل تَبيَّن الأَمْر.
الثالِث: أن التَّفْصيل في الدُّعاء انبِساط مع الله ﷿؛ لأن الداعِيَ يُناجِي ربَّه.
ومن المَعلوم أن مُناجاة المَحبوب يُستَحَبُّ فيها التَّطويل، أو نَقول بعِبارة ثانية: من المَعلوم أن مُناجاة المَحبوب يُحِبُّ الحَبيب أن تَطول المُناجاةُ بينه وبين حَبيبه، وهذا شيء مُشاهَد، إذا جلَس إليك مَن تُحِبُّ، فإنَّك تَوَدُّ أن يَطول الحَديث، وَيطول الجُلوس حتى إنَّ الزمَن يَنفَرِط بسرعة، وإن جلَس إليك الثَّقيل، قلت:
إِذَا حَلَّ الثَّقِيلُ بِدَارِ قَوْمٍ فَمَا لِلسَّاكِيينَ سِوَى الرَّحِيلِ (^١)
فأحيانًا يَجلِس إليك الثَّقيل، يُخاطِبك ويُكلِّمك، كلَّما خاطَبك بكلِمة ولو كانت ثَناءً عليك كأنَّما صفَع وَجْهَك؛ لأنَّك يَكون عندك كأنه جالِس على قلبك، لكن الحَبيب إذا جلَس إليك لا تَوَدُّ أن تُفارِقه، ولا تَمَلُّ حَديثه، ولكن من خير الجُلَساء؟
_________________
(١) انظر: روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار لابن قاسم الأماسي (ص: ٣٤٤).
[ ١١٥ ]
لنَا جُلَسَاءُ لَا نَمَلُّ حَدِيثَهُمْ أَلِبَّاءُ مَأْمُونُونَ غَيْبًا وَمَشْهَدًا (^١)
يَعنِي بذلِك: الكُتُب.
أَعَزُّ مَكَانٍ فِي الدُّنَا سَرْجٌ سَابِحٌ وَخَيْرُ جَلِيسٍ فِي الزَّمَانِ كِتَابُ (^٢)
هَؤلاءِ همُ الجُلَساء الذين لا يَمَلُّون والذين يَنفَعون ولا يَضُرُّون.
فيَنبَغي البَسْط في الدُّعاء لثلاثة أَسْباب:
السبَبُ الأوَّل: لأنه عِبادة، فكُلَّما بسَطْت فيه ازدَدْتَ تَعبُّدا وتَقرُّبًا لله.
الثاني: أنه تَفصيل، والتَّفصيل خَيْر من الإجمال، لأنه قد يَكون في التَّفْصيل ما يَغيب عنك عند الإِجْمال.
والثالث: أنه انبِساطٌ مع الله الذي هو أَحَبُّ شيءٍ إليك، والحَديث مع المَحبوب لا شَكَّ أن كل أحَدٍ يُحِبُّ أن يَطول.
وانظُرْ إلى قول الرسول ﵊: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ، عَلَانِيَته وَسِرَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَنتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي" (^٣)، يَكفِي عن هذا كلِّه أن يَقول: اللَّهُمَّ اغفِرْ لي ذَنْبِي، لكن البَسْط له تَأثير على القَلْب.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن مَن وُقِيَ السَّيِّئاتِ يوم القيامة، فقد دخَل في رحمة الله؛ لقوله: ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾.
_________________
(١) انظر: سراج الملوك لأبي بكر الطرطوشي (ص: ٢٠٧).
(٢) البيت للمتنبي، انظر: ديوانه (ص: ٤٧٩).
(٣) أخرجه مسلم: كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، رقم (٤٨٣)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ١١٦ ]
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الرَّحْمة كما تَكون في جَلْب المَحبوب تَكون في دَفْع المَكروه؛ لقوله: ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن هذا أعظَمُ فوزٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، ووجهه: أنه أَشار إليه بإشارة البَعيد؛ للدَّلالة على عُلوِّ هذا الفَوْزِ، ووَصَفه بالعَظَمة، فيَكون جامِعًا بين عُلوِّ المَرتَبة وعُلوِّ الماهِيَة أنه عَظيم.
فإن قال قائِل: قلنا: هو الفَوْز العظيم في قول الله ﵎: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾، هل يَدخُل النظَر إلى الله - ﷿ - في هذه الآيةِ؟
فالجوابُ: أي نعَمْ؛ لأن الجَنَّة وما فيها فَوْز، دخول الجنَّة فَوْز، وأَعظَمُ النعيم في الجَنَّة هو النظَر إلى وجه الله؛ ولهذا ذكَرْنا أن قول الزَّمَخْشريِّ: "أي فَوْز أعظَمُ من هذا" (^١) قلنا: هذه كلِمة حقيقةٌ، ولا يُعتَرَض عليها إلَّا لأننا نَعلَم أن الرجُل لا يُثبِت النظَرَ إلى وجهِ الله، وإلَّا لقُلْنا: متى دخَلْت الجَنَّة فأنت دخَلْت الجَنَّة بكل ما فيها من النعيم.
* * *
_________________
(١) انظر: الكشاف (١/ ٤٤٩).
[ ١١٧ ]