الْفَائِدَةُ الأُولَى: أوَّلًا تَلطُّف هذا الداعِي، هذا الرجُلُ المُؤمِن الذي يَدعو إلى الله؛ لقوله: ﴿يَاقَوْمِ﴾ فإن هذا لا شَكَّ من أَساليب التَّلطُّف.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: قُوَّة جَأْش هذا المُؤمِنِ؛ حيث كان رجُلًا واحِدًا يَقول لهَؤلاءِ الجَماعة: ﴿اتَّبِعُونِ﴾ وهذا -كما قُلنا في التفسير- فِعْل أَمْر.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنه يَنبَغي للداعِية إذا دعا إلى شيء أن يُبيِّن ما يَكون به التَّرْغيب؛ أي: تَرْغيب المَدعوِّ؛ حتى يَنشَط ويَفعَل؛ لقوله: ﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٣٨].
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الإشارة إلى كَذِب فِرعونَ حين قال لقَوْمه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩]، ففَرْق بين قول فِرعونَ وقولِ هذا المُؤمِنِ، قول فِرعونَ كذِب، وقول هذا الرجُلِ حَقٌّ لا شَكَّ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن السُّبُل تَختَلِف: سُبُل ضَلال، وسُبُل غَيٍّ، وسُبُل رَشاد، فالسَّبيل المُوصِل إلى الله هذا سَبيل الرَّشاد، والسُّبُل المُتفرِّقة هذه سُبُل ضَلال،
[ ٣١٤ ]
قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: بَيان حال الدُّنيا، وأنها مَتاع يَتَمتَّع بها الإنسان ثُم تَزول، إمَّا بزَوال هذا التَّمتُّع، وإمَّا بزَوال المُتمتِّع؛ ولهذا انظُرْ مَصارع الدنيا هل فيها أحَدٌ خُلِّد؟ وهل فيها أحَد خُلِّد له ما بين يديه؟ كل ذلك لم يَكُن، فالدنيا إمَّا زائِلة وإمَّا أن يُزال عنها، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ [الأنبياء: ٣٤].
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: انحِصار الدُّنْيا في هذه الكلِمةِ القَليلة، وهي ﴿متاعٌ﴾ كلُّ الدُّنيا مَتاع، لا تَتَحمَّل أكثَرَ من ذلك.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: الاستِعْداد والرَّغْبة في الآخرة، لقوله: ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩]، فإذا اجتَمَع هذا إلى ما قَبلَه صار مُتضمِّنًا لفائِدَتَيْن: وهُما الزُّهْد في الدُّنيا، والرَّغْبة في الآخرة.
* * *
[ ٣١٥ ]