الْفَائِدَةُ الأُولَى: استِعْلاء فِرعونَ وتَرفُّعه، وذلك بتَوْجيه الأمر إلى وَزيره أن يَبنِيَ له صرحًا، وتَأمَّل قوله: ﴿ابْنِ لِي﴾ ولم يَقُل: ابنِ؛ لأن هذا أَعظَمُ في التَّرفُّع والتَّعاظُم؛ إذ لو قال: ابْنِ. لكان لأيِّ أَحَد يَبنِي؟ ففيه إبهام، لكن إذا قال: لي؛ دلَّ هذا على أنه استَخْدَم هذا الرجُلَ الذي هو الوزير استِخْدامًا تامَّا.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن اتِّخاذ الوُزَراء كان عُرْفًا قديمًا، سواءٌ كان وزيرًا في الخير أو وزيرًا في الشرِّ، فمِن وُزراء الخير قول موسى ﵊: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي﴾ [طه: ٢٩، ٣٠]، وقول عليِّ بن الحُسَيْن بن عليِّ بن أبي طالب - ﵃ - حين سأَله زُعَماء الشيعة -وهم الرافِضة- عن أبي بَكْر وعُمرَ - ﵄ -، فتَرحَّم عليهما، وقال في الثَّناء عليهما: هُما وَزيرَا جَدِّي (^٢). يَعنِي: النَّبيَّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فرَفَضوه؛ لأنهم قد زُيِّن لهم سُوء عمَلهم بأن كل من أَحبَّ أبا بكر وعُمرَ فقد أَبغَضَ عليًّا، وعلى هذا يَكون النَّبيُّ - ﷺ - مُبغِضًا لعَليٍّ؛ لأنه سُئِل: أيُّ الرجال
_________________
(١) الألفية (ص: ٢٠).
(٢) انظر: لوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/ ٨٥).
[ ٣٠٤ ]
أحبُّ إليك؟ قال: "أَبو بَكْرٍ" (^١) فعلى قاعِدتهم يَكون الرسول مُبغِضًا لعِليٍّ، فانظُرْ كيف كانت عاقِبة هذه القاعِدةِ الفاسِدة الباطِلة.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: جواز نِسبة الشيء إلى الآمِر به دون فاعِله، تُؤخَذ من قوله: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ وهو لا يُريد أن هامانَ يَتَولَّى البِناءَ بنَفْسه، بل يَأمُر؛ لأنه وزير.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثبات عُلوِّ الله تعالى العلوَّ الذاتي للشَّرائِع السابِقة، يُؤخَذ من قوله: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ فهذا يَدُلُّ على أن موسى -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد أَبلَغه بأن الله في السماء.
وعُلوَّ الله الذاتي أَمْر لا يُنكَر؛ لأنه دلَّت عليه جميع الدَّلائِل: الكِتاب، والسُّنَّة، والإجماع، والعَقْل، والفِطْرة، كلُّها دلَّت على عُلوِّ الله ﷿ العُلوَّ الذاتيَّ، وأنه ﷾ في السماء، وأنه لا يُمكِن أن يَكون في الأرض، ونحن نُركِّز على هذه النّقطةِ لأهميتها؛ لأنها تَتَعلَّق بالعَقيدة، أمَّا القُرآن فما أكثَرَ الأدِلَّةَ المُتنوعة الدالَّة دَلالة قاطِعة على علوِّ الله الذاتيِّ! وكذلك السُّنَّة دلَّت على ذلك قولًا وفِعلًا وإقرارًا، فالنَّبيُّ - ﷺ - أَثبَتَ علوَّ الله الذاتيَّ بقوله وبفِعله وبإقراره.
أمَّا بقوله فإنه - ﷺ - يَقول في سُجوده: "سُبحانَ ربِّي الأَعْلى" (^٢)، وأمَّا في فِعْله فأَشار إلى علوِّ الله تعالى في الوقوف بعرَفة حين خطَب الناس وقال: "اللَّهُمَّ
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب أصحاب النبي - ﷺ -، باب قول النبي - ﷺ -: "لو كنت متخذًا خليلًا"، رقم (٣٦٦٢)، ومسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق - ﵁ -، رقم (٢٣٨٤)، من حديث عمرو بن العاص - ﵁ -.
(٢) أخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، رقم (٧٧٢)، من حديث حذيفة - ﵁ -.
[ ٣٠٥ ]
اشْهَدْ" (^١)، وأمَّا إقراره فبإقراره الجارِيةَ التي قالت: في السَّماءِ. لمَّا سأَلَها: "أَيْنَ الله؟ " (^٢) وأمَّا الإجماع فقد أَجمَعَ السلَف على ذلك، ما منهم أحَدٌ قال: إن الله ليس في السماء. وما مِنهم أحَدٌ قال: إن الله في الأرض. وما منهم أحَد قال: إن الله لا يُوصَف بعُلوٍّ ولا سُفول، ولا محُايَثة ولا مجُانَبة. يَعنِي: ما منهم أحَدٌ قال: إن الله ليس فوقُ ولا تحتُ، ولا يمينُ ولا شِمالُ، ولا مُتَّصِلًا بالخلْق ولا مُنفصِلًا، كما قاله المُعطِّلة.
فإذا قال قائِل: نُسلِّم أنه لم يَرِد عنهم النَّفيُ، فما هو دَليلُ الإثبات؟
فالجَوابُ: دليلُ ذلك أنه كل نَصٍّ في القُرآن والسُّنَّة لم يَأتِ عن الصحابة خِلافُه، فإننا نَعلَم عِلْم التقين أنهم يَقولون به؛ لأن القُرآن نزَل بِلُغَتهم وَيعرِفونه، فإذا خوطبوا بهذا ولم يَرِد عنهم خِلافه دلَّ ذلك على أنهم قائِلون به، وهذه نُقطة مُهِمَّة تَنفَعُك عند المُناظَرة مع الخُصوم إذا قال لك: أين قال الصحابةُ: إن الله في العُلو مثلًا؟ تَقول: قال الصحابةُ ذلك؛ لأن كل نصٍّ جاء بإثبات العُلوِّ، ولم يَرِد عن الصحابة خِلافُه فإنهم قائِلون به قَطْعًا؛ لأنه نزَل بلُغَتِهم وعرَفوه وفهِموه على ما أَراد الله ﷿.
وأمَّا العَقْل فلو سألت أيَّ إنسان: هل العُلوُّ صِفةُ كَمال أو النُّزول؟ لقال لك: العلوُّ. ولو قلت: العُلوُّ صِفةٌ أكمَلُ أو المُحاذاة؟ لقال: لك العلوُّ.
إِذَنْ: فالعُلوُّ دلَّ العَقْل على ثُبوته لله ﷿.
وأمَّا الفِطْرة فلا تَسأَل، اسأَلْ عَجوزًا من العَجائِز لم تَقرَأ في كلام المُتكَلِّمين المُعطِّلين ماذا تَقول لك؟ لو سألتها: أين الله؟ قالت: في السَّماء. ولا تَعرِف إلَّا ذلك،
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، رقم (١٢١٨)، من حديث جابر - ﵁ -.
(٢) أخرجه مسلم: كتاب المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة، رقم (٥٣٧)، من حديث معاوية بن الحكم السلمي - ﵁ -.
[ ٣٠٦ ]
والعجَب أن نَفْس القائِلين بالنفيِ إذا دعَوُا الله ﷿ رفَعوا أيديَهم قهرًا عليهم إلى السماء، وهذا شيء مُسلَّم، وادِّعاؤُهم أنهم يَقولون: إن السَّماء قِبلة الداعِي كما أن الكَعْبة قِبلة المُصلِّي. نَقول: إِذَنْ أَنتُم تَدْعون السماء فوقَعْتم في الشِّرْك من حيثُ لا تَعلَمون.
فالحمدُ لله أن عُلوَّ الله أَمْر فِطري لا يَحتاج إلى تَعلّم ولا إلى تكلُّف! .
ومع ذلك جميع الأدِلَّة دلَّت عليه، ثُم يَأتِي أقوام أَعمَى الله تعالى بَصائِرهم، فيقولون: إن الله تعالى ليس في العُلوِّ. ماذا يَقولون؟ استَمِعْ: منهم مَن يَقول: إن الله في كل مَكان، -وهؤلاءِ حُلولية الجَهْمية- الله في كل مَكان، في المَساجِد، في الأسواق، في البُيوت، في الجَوِّ، في السماء، -والعِياذُ بالله- في المَراحيض، في كل مَكان، وهذا باطِل كما تُبطِل الشَّمْس ظُلْمة الليل؛ لأنه يَلزَم منه واحِد من أمرين ولا بُدَّ: إمَّا أن يَكون الله مُتعدّدًا، وإمَّا أن يَكون الله مُتجزِّئًا؛ بعضُه هنا، وبعضه هناك، أو مُتعدِّدًا واحِدٌ هنا وواحِدٌ هناك، هذا بقَطْع النَّظَر عمَّا يَلزَم عليه من اللَّوازِم الفاسِدة التي تُوجِب أن يَكون الله في أَقذَر الأمكِنة وأَنتَنِ الأمكِنة.
والقول الثاني لمَن يُنكِرون علوَّ الله الذاتي يَقولون: لا نَقول: إن الله فَوقُ ولا تحتُ، ولا يَمينُ ولا شِمالُ، ولا مُتَّصِل بالعالَم ولا مُنفصِل عن العالَم. إِذَنْ هو عدَم، يَعنِي قال بعض العُلَماء: لو قيل: صِفوا لنا العدَم. لم نَجِد وَصْفًا أَشمَلَ من هذا، فحقيقة الأمر أنهم لا يَعبُدون الله، وأنه ليس لهم إلهٌ إطلاقًا.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن من بلاغة المُتكَلِّم أن يَسلُك أقرَبَ الطّرُق إلى جَذْب المُخاطَب، ومنها الإبهام ثُم البيان؛ لقوله: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ وهذا كثير في القرآن وفي كلام البَشَر.
[ ٣٠٧ ]
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن السَّمواتِ جَمْع وعدَد؛ لقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ وهي كما هو مَعروف سَبْعة، قال الله تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢)﴾ [النبأ: ١٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ﴾ [المؤمنون: ٨٦]، وهذا مُتَّفَق عليه، والسَّمَوات هذه بَيْنها فجَوات، ويَدُلُّ على ذلك دَلالة قاطِعة حديثُ المِعراج (^١)، فإن النبيَّ - ﷺ - كان يَعرُج من سماء إلى سماء.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن رُؤَساء الضَّلال وأئِمَّة الضَّلال يَدْعون الناس إلى الضَّلال بكل ما يَستَطيعون، ويُحاوِلون أن يَحولوا بينهم وبين الحقِّ، لقوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ وقد بيَّنَّا في التفسير لماذا قال هذه الكلِمةَ، فلا تَغتَرَّ برُؤساء الضلال وأئِمَّة الضلال وما يَقولون من التَّمويه والدجَل، وليس هذا مَقصورًا على أئِمَّة السُّلْطة الذين لهم السُّلْطة، بل حتى على أَئِمَّة الدَّعْوة الذين يَدْعون الناس إلى أفكارهم الهدَّامة وأخلاقهم السافِلة، تَجِد عِندهم من التَّمْويه والتَّضْليل ما يُوجِب أن يَكون فخًّا يَقَع فيه مَن ليس له بَصيرة.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أن الله ﷿ يَبتَلي العَبد فيُزيِّن له سُوء عمَله؛ لقوله: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ ويَدُلُّ لهذا قولُ الله ﵎: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]، فاحرِصْ على الانتِباه لهذه المَسأَلةِ، فإن الإنسان قد يُزيِّن له سوء العمَل، والتَّزيِين نَوْعان:
النَّوْع الأوَّل: أن يَرَى الإنسان هذا السيِّئ حسَنًا، وهذا أعظَمُ النَّوْعين.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، رقم (٧٥١٧)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السماوات، رقم (١٦٢)، من حديث أنس - ﵁ -.
[ ٣٠٨ ]
النوع الثاني: أن لا يَراه سَيئًا فيَميل إليه بهَواه، ويَقول: هذا سَهْل، وليس فيه شيء، هذا من التَّزْيين في الواقِع؛ لأن مَن لا يَرَى السيئ سيئًا فإنه ستقَع فيه إمَّا رَغبةً فيه؛ لأنه زُيِّن له، وإمَّا لهَوًى في نَفْسه؛ لأنه لا يَراه سيئًا.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن فِرعونَ يَصُدُّ الناس عن سَبيل الله، فهو من أئِمَّة الصَّدِّ عن سبيل الله تعالى، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١)﴾ [القصص: ٤١] فاحذَرْ هؤلاءِ الأَئِمَّة لا يَخدَعونك، فإنهم يَكيدون كيدًا، والله تعالى يَكيد كيدًا لعَبْده المُؤمِن.
الْفَائِدَةُ الْعَاشرَةُ: أن فِرعونَ أَمَر ببِناء هذا الصَّرْحِ مُكايَدةً لا حَقيقةً، وإلَّا فمِن المَعلوم أنه سوف يَخسَر نَفَقاتٍ كثيرةً على هذا الصَّرْحِ العالي، لكنه لغرَضه وهَواه لا يَهتَمُّ بذلك.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أن كَيْد المُضلِّين -والحمد لله- في خَسارٍ، كل مُضِلٍّ فكَيْده في خَسارة؛ لأنه إذا كان كَيْد هذا الطاغِيةِ في خَسارٍ فمَن دونه مِن بابِ أَوْلى ولا شَكَّ؛ ولهذا حصَر كَيْده في الخَسار ما هو إلَّا في خَسار، وقال الله ﵎: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥، ١٦]؛ أي: كيدًا أَعظَمَ من كَيْدهم، وقال تعالى: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢)﴾ [الطور: ٤٢]، وهذه من أَعظَم الآيات التي تُفرِح المُؤمِن أن كَيْد الكافِر يَجعَله هو المَكيد، وجاء في الآية بالجُمْلة الاسمية: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ وبضَمير الفَصْل، إشارة إلى ثُبوت ذلك عليهم، وتَأكُّده إلى ثُبوته بكونه جاء بالجُملة الاسمية؛ لأن الجُملة الاسمية كما يَقول أهلُ العِلْم تُفيد الثُّبوت والاستِقْرار، وجاءَ بالحَصْر عن طريق ضمير الفَصْل: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾.
وهذه الآياتُ - والحمدُ لله - تُفرِح المُؤمِن، لكن لاحِظوا أن هذا وَعْد الله ﷿
[ ٣٠٩ ]
وهو لا يُخلِف المِيعاد، لكِنَّه يَحتاج إلى سبَب أن يَكون من المُؤمِن عمَل مُضادٌّ، وأن المُؤمِن إذا عمِل العمَل المُضادَّ لكَيْد الكافِرين يَثقُ بوَعْد الله وَيقول: إن هذا الكَيْدَ سيَكون عليهم وَهُم في خَسارة منه، أمَّا أن نَقول: إن الله يَكيد لهم وهم المَكيدون. ولكننا نَنام على فُرُشنا ونَدَعُ السِّباع تَأكُل الغنَم؛ فهذا غير صَحيح لا بُدَّ من عمَل ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾.
فإن قال قائِل: صَحيح أن بعض المفَسِّرين قال: إن هامانَ لم يَبْنِ لفِرعونَ صرحًا؟
فالجَوابُ: هذا لا يَظهَر؛ لأن كونه يَقول: ابْنِ لي صَرْحًا. ولا يَبنِيه هذا بَعيد، إذ إنه سيقول والناس يَسمَعون، إمَّا أن يَكونوا حاضِرين، أو يَبلُغهم الخبَر وسيَبنِي الصَّرْح.
فإن قال قائِل: لماذا نَقول: إن فِرعونَ استَفاد أن الله ﷾ في السماء من موسى، أوَ لَا يَكون هذا من فِطْرته؟
فالجَوابُ: سَواءٌ كان بفِطْرته أو بدَعْوة موسى، لكنه إذا قُلْنا: بدَعْوة موسى. لم يَبقَ علينا شيء، أمَّا بفِطْرته فقد تكون انحرَفَت كما جاء في الحَديث: "فَأبوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ" (^١) لكن الشيء المُؤكَّد لدَيْنا الآنَ هو قول موسى وتَقريره بأن الله في السماء.
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه، رقم (١٣٥٨)، ومسلم: كتاب القَدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، رقم (٢٦٥٨) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٣١٠ ]