الْفَائِدَةُ الأُولَى: بَيان شِدَّة حَسْرة أهل النار؛ لقوله: ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن أهل النار يَتَحاجُّون ويُحاجُّون أيضًا، يَتَحاجُّون فيما سبَقَ فيما بينهم، وكذلك يُحاجُّون غيرهم، أو يَسأَلون غيرهم؛ لقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بَيانُ إحكام الله ﷿ لمَخْلوقاته كما أَحكَم مَشروعاتِه، حيث جعَل للنار خزَنة يَحفَظونها وَيقومون عليها.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: شِدَّة خجَل أهل النار من مخُاطَبة الله ﷿؛ لأنَّهم تَوسَّلوا بقول الخزَنة أن يَدْعوا ربَّهم ولم يَقولوا: ادْعُوا ربَّنا. هذا يَدُلُّ على أن هذا بعدَ أن قال الله لهم: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الزكاة، باب أخذ الصدقة من الأغنياء، رقم (١٤٩٦)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، رقم (١٩)، من حديث ابن عباس - ﵄ -.
[ ٣٦٣ ]
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن أهل النار في أشَدِّ ما يَكون من العَذاب، يُؤخَذ من قوله: ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ فهو يَدُل على أن عليهم شِدَّةً، وأنهم يَتَمنَّون يَومًا واحِدًا فقَطْ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن أهل النار يُعذَّبون عَذابًا بدَنيًّا وعَذابًا قلبيًّا، يُؤخَذ من التَّقريع والتَّوْبيخ لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾، فهذا يَكون أشَدَّ عليهم من عَذاب البدَن؛ ولهذا يَقولون كما في سورة تَبارَك: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]، قال تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ [المُلك: ١١].
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن لكُل أُمَّة من أَهْل النار رسولًا؛ لقوله: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا﴾، فكل أُمَّة لها رَسولٌ.
الْفَائِدَةُ الثامِنةُ: أن الله تعالى لم يُرسِل رسولًا إلَّا بآيات تَدُلُّ على أنه رسول الله حقًّا؛ لقوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾.
الْفَائِدَةُ التَاسِعَةُ: أن الاهتِمام بالوَصْف أَشَدُّ من الاهتِمام من بالأَصْل؛ لأن الوَصْف هو الذي يُبيِّن الأشياء، يُؤخَذ من قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ حيث أَتَى بالوَصْف وطوَى ذِكْر المَوْصوف؛ لأن المُهِمَّ هو الوَصْف.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: تَهكُّم الرُّسُل بهَؤلاء -أي: بأَهْل النار- يُؤخَذ من قوله: ﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾ هذا من باب التَّهكُّم منهم؛ لأن المَلائِكة يَعرِفون أنهم لن يُجابوا.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنه لا قَبولَ لدُعاء الكافِرين؛ لقوله: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ وذلك يَشمَل دُعاء المَسأَلة ودُعاء العِبادة، والذي يُستَثنَى من دُعاء المَسأَلة في إجابة الكافِر المُضطَرِّ والمظلوم، والدَّليل على استِثْناء المُضطَرِّ أنه
[ ٣٦٤ ]
يُجاب ولو كان كافِرًا قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ والحِكْمة من إجابة الكافِر في حال الضَّرورة أنه في هذه الحال يَكون مخُلِصًا لله في الدُّعاء مُظهِرًا للافتِقار إليه فيُجيبه الله.
أمَّا الدليل على أنه يُجيب دَعْوة الكافِر المَظلوم أن مُعاذَ بنَ جبَل - ﵁ - لمَّا بعَثَه النبيُّ - ﷺ - لأَهْل اليَمَن الحديثَ، قال له: "وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الله حِجَابٌ" (^١). وَالحكْمَةُ مِن إجابة دَعْوة المَظلوم الكافِر طالب: لإقامة العَدْل.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الزكاة، باب أخذ الصدقة من الأغنياء، رقم (١٤٩٦)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، رقم (١٩)، من حديث ابن عباس - ﵄ -.
[ ٣٦٥ ]