* * *
* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر: ١].
* * *
اعلم أنَّ الحَمْد هو وَصْفُ المَحْمودِ بالكَمال مع المَحَبَّةِ والتَّعْظيمِ، وقد حَمِدَ اللهُ ﷾ نَفْسَه في أوَّلِ الأُمُور وآخِرِها.
ففي أوَّلِ الأُمورِ الكَوْنِيَّة قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١].
وفي أوَّلِ الأُمورِ الشَّرْعِيَّةِ قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ [الكهف: ١].
كما حَمِدَ نَفْسَه على مُنْتَهى الأُمُور أيضًا، قال الله تعالى في آخِرِ سورة الزُّمَر: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥].
فحَمِدَ الله ﷾ نَفْسَه في أوَّلِ الأَمْرِ وفي مُنْتَهى الأمر؛ لأنَّ الله تعالى له الأَمْرُ أوَّلًا وآخِرًا، وكُلُّ أَمْرِه فإنَّه مَحْمودٌ عليه؛ لأَنَّه مَبْنِيٌّ على الحِكْمَة والرَّحْمَة.
وهنا يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الحَمْد: مُبْتَدَأ، لله: خَبَرُه، واللَّام هنا للإسْتِحْقاق والإخْتِصاص؛ لِلْمَعْنيَيَنِ جميعًا، أمَّا كَوْنُها للإسْتِحْقاقِ؛ فلأنَّه لا أحَدَ أَحَقُّ بالحَمْدِ من الله ﷿؛ فإنَّه مَحْمودٌ على كلِّ حالٍ؛ لأنَّ كلَّ ما يَفْعَلُه وكُلَّ ما يُشَرِّعُه فإنَّه مَحْمودٌ
[ ١١ ]
عليه لكماله، وأمَّا كونُها للإختصاصِ فلأنَّ (أل) في (الحَمْد) هنا للإسْتِغْراقِ؛ أي: كلُّ حَمْدٍ فهو لله، ثابتٌ له، ومَعْلومٌ أنَّه لا أحَدَ يَخْتَصُّ بهذا الوَصْفِ العامِّ الشَّامِلِ إلا اللهُ ﷿؛ لأنَّ من يُحْمَد سوى اللهِ لا يُحْمَد إلا على أشياءَ جُزْئِيَّةٍ غَيْرِ شامِلَةٍ، لكنَّ الذي يُحْمَدُ على كلِّ شَيْءٍ هو الله، وبهذا عَرَفْنا أنَّ اللَّام للإسْتِحْقاقِ والإخْتِصاصِ أيضًا.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ حَمِدَ الله تعالى نَفْسَه بذلك كما بيَّن في أوَّلِ سورَةِ (سبأ)].
ففي أوَّلِ (سبأ) قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ [سبأ: ١]، لكنْ هناك حَمِدَ نَفْسَه لعُمومِ مُلْكِه الذي له ما في السَّمَواتِ والأَرْض، وهنا حَمِدَ نَفْسَه لابتداءِ خَلْقِه.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: خالِقِهِما على غَيْرِ مثالٍ سَبَقَ].
وَقَوْله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ لهم عُقُولٌ أخصُّ من عُقولِ البَشَرِ؛ لأنَّ عُقولَ البَشَرِ قد تستولي علمِها الشَّهْوَةُ فيُضَيِّعُ الإِنْسَانُ عَقْلَه. قَوْله تعالى: ﴿رُسُلًا﴾ جَمْع (رسولٍ) يقول: [إلى الأَنْبِياءِ]، والأَصَحُّ إلى الأنبياءِ وغَيْرِهم؛ يقولُ الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١] رُسُلُ اللهِ تعالى إلى هذا المُحْتَضَر لِيَقْبِضوا رُوحَه، فهم رُسُلٌ إلى الأنبياءِ وإلى غَيْرِهم؛ فتَخْصيصُ الآيَةِ بالأَنْبِياءِ يُعْتبَرُ قُصورًا في التَّفْسيرِ.
قَوْله تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾: ﴿أُولِي﴾ بمَعْنى أَصْحاب؛ يعني أنَّ المَلائِكَة لهم أَجْنِحَة، وهو جَمْع (جَناحٍ)، هذا الجَناحُ يَطيرونَ به بِسُرْعةٍ فائِقَة أَسْرَع من الجِنِّ؛
[ ١٢ ]
بدليلِ أنَّ العِفْريتَ من الجِنِّ قال لسُلَيْمانَ لمَّا قال ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل: ٣٨ - ٣٩] وكان له عادة أنَّه يقوم في وقتٍ مُعَيَّنٍ فقال: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ يعني: في الوَقْتِ المُعَيَّنِ وإلَّا لكانَ الأَمْرُ مُبْهَمًا ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠].
يعني مثلًا: إن نَظَرْتَ مثلًا أَبْعَد شَيْءٍ - هم قالوا هكذا - قَبْلَ أن يرتَدَّ إليه طَرْفُه، فإنَّه يأتيه به، وفِعْلًا أتاه؛ ولهذا قال: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا﴾ [النمل: ٤٠].
قال العُلَماء ﵏: إنَّ الذي عنده عِلْمٌ من الكِتابِ كان يَعْرِفُ اسْمَ الله الأَعْظَمَ، وأنَّه دعا باسْمِ اللهِ الأَعْظَمِ، فحَمَلَتْه الملائِكَةُ وأَلْقَتْه بين يَدَيْ سُلَيْمانَ، وهذا يَدُلُّ على أنَّ المَلائِكَة أَسْرَعُ من الجِنِّ، ولا شَكَّ في هذا؛ أنَّهم أسْرَعُ وأَقْوى، فهم لَهُم أَجْنِحَةٌ يَطيرون بها بِسُرْعَة فائقة عَظيمَةٍ.
جبريل ﵊ كان له سِتُّ مِئَة جَناحٍ (^١)، كلُّ جناحٍ له قوَّة عظيمَةٌ في الحَمْل والطَّيَران، ماذا تكون سُرْعَتُه؟
لا شكَّ أنَّها سُرْعَةٌ فائِقَة جدًّا؛ لأنَّنا إذا رأينا الآن الطَّيَّاراتِ النَّفَّاثَةَ أَجْنَحِتُها التي تَحْمِلُها وهي المراوِحُ التي تُدْخِلُ الهواءَ ليَحْمِلَ الطَّائِرَةَ لا تَبْلُغُ هذا المبْلَغَ ولا عُشْرَه، ومع ذلك تَنْتَقِل بهذه السُّرْعَة العَظيمَة وهذا الإرتفاعِ العَظيمِ، فجبريلُ ﵊ له سِتُّ مِئَة جَناحٍ قد سَدَّ الأُفُقَ، وهذا يَدُلُّكَ على أنَّ لهم سُرْعَةً فائِقَةً عَظيمَةً.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم: آمين، رقم (٣٢٣٢)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب في ذكر سدرة المنتهى، رقم (١٧٤)، من حديث ابن مسعود - ﵁ -.
[ ١٣ ]
وهذه الأَجْنِحَة ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ وأكْثَرُ؛ ولذا قال: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾.
قَوْله تعالى: ﴿مَثْنَى﴾ ظاهِرُها أنَّ ذلك في العَدَدِ لا في الصِّنْفِ؛ لأنَّ هذا هو الأَصْلُ، ويُحْتَمَل أن يكون في الصِّنفِ؛ لأنَّنا نرى الطَّائِر مثلًا له جناحان، لكنْ كُلُّ ريشة مِن هذه الأَجْنِحَة لها عملٌ خاصٌّ في تَكْييفِ الطَّيَرانِ، منها مثلًا ما يَنْصِبُه حتى يرتَفِع، ويَخْفِضُه حتى يَنْزِل، وَيفْرِشُه حتى يَسْتَقِرَّ، هذا شَيْءٌ مُشاهَد؛ ولهذا بعض الأحيان تُنْتَفُ أَشْياءُ مُعَيَّنةٌ من الجناح ثُمَّ لا يَطيرُ، مع أنَّ الباقِيَ في جناحه أكثَرُ مَمَّا نُتِفَ بكثيرٍ، فيُحْتَمَل أنَّ قَوْله تعالى: ﴿مَثْنَى﴾ يعني: باعتبار الصِّنفِ.
﴿وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ ويُحْتَمَل أنَّه باعتبارِ العَدَدِ وأنَّ المَلائِكَةَ بَعْضُهم له جناحان، وبَعْضُهم له ثلاثة، وبَعْضُهم له أربعَةٌ، ولا ينافي ذلك أنَّ جبريل ﵊ له سِتُّ مِئَة جناح؛ لأنَّ الله ﷾ يقول: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ ويكون مِمَّا زاده أنْ جَعَلَ لجِبْريلَ سِتَّ مِئَةِ جناحٍ.
فإذا قُلْتَ: هل نعرف كيَفِيَّة هذه الأَجْنِحَة؟
فالجواب: لا؛ كَيْفِيَّة هذه الأَجْنِحَة لا نعلمها، وهذا نَظيرُه تمامًا ما جاء في صِفاتِ الله ﷿؛ فإنَّنا نَعْلَمُ مَعْنى الصِّفَة، ولكِنَّنا نَجْهَل كَيْفِيَّة الصِّفَة، للهِ ﷿ وَجْهٌ، نعلم مَعْنى الوَجْه، لكن هل نَعْلَمُ كَيْفِيَّته؟
الجوابُ: لا؛ لأنَّ ما غاب عنك لا يخاطِبُك الله به إلا بِبَيانِ معناه فقط، وأمَّا كَيْفِيَّته فلا يُمْكِنُك إدراكُها؛ لأنَّه غائِبٌ ولا نَظيرَ له، والشَّيءُ لا يُعْرَفُ إلا بِمُشاهَدَتِه أو مُشاهَدَة نَظيرِهِ أو الخَبَرِ الصَّادِقِ عنه.
ونُعْرِبُ: ﴿مَثْنَى﴾ بدلًا أو صفةً لـ ﴿أَجْنِحَةٍ﴾ وبدَلُ المَجْرورِ مَجْرورٌ، وعلامة جَرِّهِ فَتْحَةٌ مُقَدَّرَة على الأَلِف نيابَةً عن الكَسْرَة، والمانِعُ من الصَّرْف الوَصْفِيَّةُ والعَدْلُ.
[ ١٤ ]
وكذلك نقولُ في ﴿وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ ولذلك قال: (ثُلَاثَ) ولَمْ يَقُلْ: (ثُلَاثٍ)، وقال: ﴿وَرُبَاعَ﴾ ولم يَقُلْ: (وُرَباعٍ).
قَوْله تعالى: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾؛ أي: يزيدُ في الخَلْقِ سواء كان في المَلائِكَة أو غَيْرِهم، يزيدُ ما يشاءُ مِمَّا تَقْتَضيه حِكْمَتُه ﷾؛ ولذلك تَجِدُ المَخْلوقاتِ لَها أَيْدٍ وأَرْجُلٌ بِحَسَب حاجَتِها إلى هذه الأَيْدي والأَرْجُل، فبنو آدم لهم أَرْجُلٌ يَمْشون بها، ولهم أيدٍ يَبْطِشونَ بها ولا يَمْشون بها؛ لأنَّ هذه الأَيْديَ مَحَلُّ الأَخْذِ والعطاء، فَأُكْرِمَ الإِنْسَانُ بأن تكونَ يداه غيرَ مُسْتَعْمَلةٍ في المَشْي، بخلاف الحيوانِ؛ فالحيوانُ يداه مُسْتَعْمَلةٌ في المَشْيِ؛ لأنَّه يأخُذُ بِفَمِه، ويُعْطي بفَمِه، وَينْقل بفَمِه، حتى الهِرَّة إذا أرادَتْ أن تنقل أولادَها تَنْقِلُهم بفَمِها، لكنَّ الآدَمِيَّ مُكَرَّمٌ، فجعل الله تعالى يَدَيهِ غيرَ مُسْتَعْمَلَتينِ في المَشْيِ، فهو يَزيدُ في الخَلْقِ ما يشاءُ على حَسَب ما تَقْتَضيهِ الحِكْمَةُ وحاجَةُ ذلك المَخْلوقِ، وكلُّ ما ذكره الله ﷿ مِمَّا هو مُعَلَّقٌ بِمَشيئَتِه فقد تقدَّم أنَّه مَقْرونٌ بالحِكْمَة.
قَوْله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ هذا تَعْليلٌ لِقَوْله تعالى: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ يعني: كأنَّ سائلًا يسأل: وهل ذلك صعبٌ عليه؟
فكان الجوابُ من هذه الجُمْلَة أنَّه سَهْلٌ؛ لأنَّ الله على كُلِّ شَيْء قديرٌ، فكلُّ شَيْءٍ مَوْجودٍ قادِرٌ على إعْدامَهِ، وكُلُّ مَعْدومٍ قادِرٌ على إيجادِهِ.
لكنْ لو قال لك قائِلٌ: هل يَقْدِرُ على أن يَجْعَلَ الشَّيْءَ المُتَحَرِّك ساكِنًا في آنٍ واحِدٍ؟
نقولُ: كَلِمَة (مُتَحَرِّك) نَقيضُ (ساكِن) إذا وَصَفْتَه بالمُتَحَرِّك فيقينًا ليس بساكنٍ، وإذا وَصَفْتَه بأنَّه ساكِنٌ، فيَقينًا ليس بِمُتَحَرِّك؛ فلذلك قال العُلَماءُ ﵏:
[ ١٥ ]
إنَّ المستحيلَ غَيْرُ وارِدٍ؛ لأنَّ المُسْتَحيلَ لا يمكنُ وُجودُهُ، ليس المَعْنى أنَّه لا يُمْكِنُ باعتبارِ قُدْرَة الله، لكنَّ الله ﷾ إذا أراد أن يَجْعَلَ هذا المُتَحَرِّكَ مُتَحَرِّكًا صار مُتَحَرِّكًا لا ساكِنًا، أمَّا أن يكونَ مُتَحَرِّكًا ساكنًا في آنٍ واحدٍ، كيف ذلك والمُتَحَرِّكُ غَيْرُ ساكِنٍ؟
يقال (^١): إنَّ الشَّيطانَ كان يَفْرَحُ بِمَوْتِ العالِم، إذا قيل: (مات فلان العالِمُ) فرح واسْتَأْنَسَ، لكن إذا قيل: (مات عابِدٌ) يقولُ: هذا هَيِّنٌ، فقال له جنوده: لماذا تَفْرَحُ بِمَوْت العالِم هذا الفَرَحَ العَظيمَ، ومَوْتُ العابِد لا يُهِمُّك مع أنَّ العابِدَ مُنْقَطِعٌ عن الدُّنْيا، وزاهِدٌ في الدُّنْيا، ويُكْثِرُ الذِّكْر والصَّلاة وغيرها؟
قال: لأنَّ العالِمَ أشَدُّ عليَّ من العابِد، قالوا: كيف؟ قال: سأُثْبِتُ لكم الآن، اذهبوا إلى العابِدِ وَقولوا له: هل يَقْدِرُ الله ﷿ على أن يَجْعَلَ السَّمَواتِ والأَرْضَ في جَوْفِ بَيْضَة أو لا؟ فذهبوا إلى العابِدِ، قالوا له: هل يَقْدِرُ الله على أن يَجْعَلَ السَّمَواتِ والأَرْضَ في جَوْفِ بَيْضَة؟ قال: هذا مُسْتَحيلٌ، ولا يَقْدِرُ الله على هذا، ثم قال لهم قولوا له: هل يَقْدِرُ الله أن يَخْلُق مِثْلَه؛ أي: أنْ يَخْلُقَ مِثْلَ الله؟ فذهبوا له، وقالوا له: ما تقولُ: هل يَقْدِرُ الله أن يَخْلُقَ مِثْلَ الله؟ قال: نَعَمْ، إنَّ الله على كلِّ شَيْءٍ قَديرٌ، يَقْدِرُ الله على أن يَخْلُقَ ربًّا مِثْلَه.
إِذَن: كَفَرَ هذا العابِدُ سلبًا وإيجابًا؛ نَفْيُه القُدْرَةَ في الأَوَّلِ كُفْر، وإثباتُهُ القُدْرَةَ في الثاني كُفْر.
ثم قال لهم: اذهبوا إلى العالِمِ، واسْأَلوهُ عن هَذَيْنِ السُّؤالَيْنِ، فذهبوا إلى العالم
_________________
(١) ذكره ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١/ ١٢٩)، وابن القيم في مفتاح دار السعادة (١/ ٦٩)، عن ابن عباس - ﵄ -.
[ ١٦ ]
قالوا له هَلْ يَقْدِرُ الله ﷿ على أن يَجْعَلَ السَّمَواتِ والأَرْضَ في جَوْفِ بَيْضَة؟ قال: نعم، يقولُ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] إمَّا أن تَصْغُرَ السَّمَواتُ والأَرْض، أو تَكْبَر البَيْضَة، المهمُّ إذا أراد قال فكانَ، قالوا: فهل يَقْدِرُ الله أن يَخْلُقَ مِثْلَه؟
قال: هذا أمرٌ مُسْتَحيلٌ، والمِثْلِيَّةُ لا يُمْكِنُ أن تتطابَقَ أبدًا؛ لو لم يكن من الفارِقِ العَظيمِ إلا أنَّ هذا حادِثٌ وذاك واجِبُ الوجودِ، هذا مُسْتَحيلٌ.
المهمُّ: أنَّ الله ﷿ على كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ، لكنَّ الشَّيْءَ المُسْتَحيلَ الذي لا يُتَصَوَّر لا يُتَصَوَّر، وليس المُرادُ هنا المُسْتَحيلَ عادةً؛ فالمُسْتَحيلُ عادةً يُخْلِفُه الله ﷿؛ لأنَّ الله هو خالقُ العادَةِ وقادرٌ على تَغْييرِها، وهذه النَّارُ التي تَحْرِق كانت بَرْدًا وسَلامًا على إبراهيمَ، وهذا الماءُ السَّيَّال صار جامِدًا كالطَّوْدِ العَظيمِ، والعادَةُ يُمْكِنُ أن يُغَيِّرَها الله ﷿ بكُلِّ سهولَةٍ، لكنَّ الكَلامَ على الأَمْرِ المُمْتَنِع المُسْتَحيلِ.
يقولُ العُلَماءُ ﵏: إنَّه لا تتعلَّقُ به القُدْرَة؛ لأنَّه مُسْتَحيلٌ؛ ولهذا قال السَّفاريني في العقيدة (^١):
" وَاقْتَدَرْ
بِقُدْرَةٍ تَعَلَّقَتْ بِمُمْكِن "
وهذا أمرٌ مُتَّفَقٌ عليه عند العُقَلاءِ.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ هذا ليسَ فيه اسْتِثْناءٌ، كتب الجلال ﵀ - وهو السيوطي - على هذه الآيَة في سورة (المائِدَة) قال: "وَخَصَّ العَقْلُ ذَاتَهُ فليس عليها بقادرٍ"؛ يعني: على كلِّ شَيْء قديرٌ إلَّا على ذاتِه فليس عليها بقادِرٍ.
_________________
(١) العقيدة السفارينية (ص ٥٢).
[ ١٧ ]
نقول: هذا الإسْتِثْناءُ لا شَكَّ أنَّه باطِلٌ؛ لأنَّ الآيَةَ ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فقال: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ وَقَوْله: "إنَّ العَقْلَ خَصَّ ذاتَه فليس عَلْيها بقادِرٍ" نقولُ: إنَّ العَقْلَ لا يُمْكِنُه أن يُخَصِّصَ هذا الخَبْر بدون دليلٍ، ولو ذَهَبْنا نخصِّص مثل هذه العُموماتِ بالعُقولِ لَأَبْطَلْنا كثيرًا من دَلالاتِ الكِتَابِ والسُّنَّة.
وماذا تريد بِقَوْلك: "خَصَّ العَقْلُ ذاتَهُ فليس عَلَيْها بقادِرٍ؟ " إن أردْتَ أنَّه ﷾ لم يكُنْ قادرًا على ذاتِهِ؛ بمَعْنى أنَّه لا يَقْدِر مثلًا أن يُمْرِضَ نفسه أو أن يُعْدِمَ نَفْسَه ﷾ فهذا أَصْلٌ لم تتعَلَّقْ به القُدْرَة؛ لأنَّ هذا من الأُمورِ المُسْتَحيلَة، وإن أردتَ أنَّه ليس قادِرًا على أن يفعل، فلَعَلَّ هذا مُرَادُه - لأنَّ الأشاعِرَة ومن شابَهَهُم يُنْكِرون الأَفْعالَ الإخْتِيارِيَّةَ - فهذا كَذِبٌ؛ بل العَقْلُ يدلُّ على أنَّه ﷾ لم يَزَلْ ولا يزال فعَّالًا لمِا يُريدُ.
وتُوجَدُ عِبارَةٌ تقع كثيرًا بين النَّاس تقول: (إنَّ الله على ما يشاءُ قَديرٌ) نقولُ: هذه عِبارَة خَطَأٌ؛ لأنَّ هذا يُوهِمُ أنَّ ما لا يَشاؤُهُ فليس قادِرًا عليه، هذا أوَّلًا.
وأمَّا قَوْله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩]، فالمشيئة هنا ليست عائِدةً على القُدْرَة بل عائِدَةٌ على الجَمْع؛ يعني: إذا شاء جَمْعَهُم فإنَّه قديرٌ عليه ردًّا على من أنكروا البَعْثَ، وقالوا: كيف يَجْمَعُ الله النَّاسَ وَيبْعَثُهم بعد أن ماتوا؟
ثانيًا: أنَّكَ إذا قُلْتَ: (إنَّه على ما يشاءُ قَديرٌ) فقد خالَفْتَ التَّعْبيرَ القُرْآنِيَّ الذي أطلق الله فيه وعَمَّمَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
ثالثًا: أنَّ هذا مَأْخوذٌ مِن مَذْهَبِ القَدَرِيَّةِ؛ لأنَّ القَدَرِيَّةَ يقولون: (إنَّ الله لا يَقْدِرُ على عَمَلِ العَبْدِ) فهو غَيْرُ داخِلٍ في قُدْرَة الله، وإذا لم يَقْدِر عليه فإنَّه لا يَشاؤُه، وكذلك
[ ١٨ ]
يقولون: إنَّه ﷾ إذا كان فِعْلُ العبد في غَيْر مَشيئَتِه فإنَّه غَيْر قادرٍ عليه؛ لأنَّ اللهَ قادرٌ على ما يشاء فقط.
فلأَجْلِ هذا نقول: إنَّ هذه العِبارَة لا تَنْبَغي، وإن كان صاحِبُها يريد بها معنًى صحيحًا، فقد يُريدُ بها معنًى صحيحًا كما هو ظاهِرُ عبارَةِ كَثيرٍ من المُسْلمينَ الذين يَنْطِقونَ بهذا الشَّيْءِ، ونقول: إنَّ الأكْمَل أن تقول: "إنَّ الله على كُلِّ شَيْء قديرٌ".
فإن قلت: إنَّه ورد في قِصَّةِ آخِرِ من يُدْخِلُه اللهُ الجَنَّة فيقول اللهُ له: لمَّا قال هذا لكَ وعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، قال الله له: "إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ" (^١) هذا حديثٌ قدسيٌّ؟
فالجواب: أنَّ هذا في قَضِيَّة مُعَيَّنَة؛ يعني: لو وَقَعَ شَيْء يَسْتَغْرِب الإِنْسَانُ وُقوعَهُ وَيسْتَبْعِدُه، فلنا أن نقول: إنَّ الله تعالى إذا شاء شيئًا فهو قادرٌ عليه؛ بمَعْنى أنَّه فاعِلُه كقَوْله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧] بخلاف القُدْرَة المُجَرَّدَة عن الفِعْل، فإنَّ هذه لا تُقَيَّد بالمَشيئَة.
وظاهِرُ الآيَةِ الكَريمَةِ أنَّ جميعَ المَلائِكَة رسلٌ، فهل هذا الظَّاهِرُ مُرادٌ؟
الجواب: غَيْرُ مُرَادٍ بدليلِ قَوْله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥].