* * *
* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥].
* * *
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ بِكُلِّ حالٍ ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن خَلْقِه ﴿الْحَمِيدُ﴾ المَحْمودُ في صُنْعِه بهم].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّه﴾ هذا النِّداءُ عامٌّ للمُؤْمِنِ والكافِرِ، والبَرِّ والفاجِرِ، والصَّغر والكبيرِ، والذَّكَر والأُنْثى، فهو للنَّاسِ عمومًا، وصدَّر الله هذا الحُكْم بهذا الخطابِ الذي هو نِداءٌ؛ لِأَجْلِ التَّنْبيهِ وبَيانِ الإهْتِمامِ به، وفي الحَقيقَةِ أنَّه قد يقال: كُلُّ أَحَدٍ يعلم أنَّه فقيرٌ إلى الله، لكنْ هل نحن عَمِلْنا بمُقْتَضَى هذا العِلْمِ؟
الجواب: لا، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٥ - ٦] فقَرَّر الله تعالى هذه الحالَ الثَّابِتَة التي لا تَنْفَكُّ عن الإِنْسَان وهي الفَقْر إلى الله من أجل أن يَعْمَل بمُقْتَضَى هذه الحال، فيلجأ إلى الله ﷿، ولا يَسْأَل إلا اللهَ.
وَقَوْله تعالى: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ هذه الجُمْلَة جُمْلَة اسْمِيَّةٌ مُفيدَةٌ للحَصْرِ؛ لأنَّ طَرَفيها مَعْرِفتانِ ﴿أَنْتُمُ﴾ هذا الضَّميرُ مَعْرِفَةٌ ﴿الْفُقَرَاءُ﴾ مُحَلًّى بـ (أل) فهو معرفة، وهل غَيْرُ النَّاسِ أَغْنياءُ عن الله؟
الجواب: لا، لكِنْ لمَّا كان الإِنْسَان هو الذي قد يرى نَفْسَه مُسْتَغْنيًا عن الله
[ ١٣٢ ]
حَصَرَ الفَقْرَ فيه؛ كأنَّه يقول: إن لم يكن أَحَدٌ فَقيرًا إلى الله فأنتم فُقَراءُ ولا بُدَّ، وإذا كان الإِنْسَانُ العاقل المدبِّرُ نَفْسُه فقيرًا إلى الله فما بالُكَ بالبهيمة، أليست أَشَدَّ فقرًا؟
الجواب: بلى، هي أَشَدُّ فقرًا إلى الله ﷿ من الإِنْسَان، لَكِنَّه خاطَبَ الإِنْسَان بذلك؛ لأنَّه هو الذي يرى أنَّه قد اسْتَغْنى عن الله وأنَّه غَنِيٌ عن الله، بل بَعْضُ بني آدم عَكَسَ القَضِيَّةَ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] والعياذ بالله، فعَكَسَ القَضِيَّة، والواقِعُ الذي تشهد به الفِطْرَة.
قَوْله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾: ﴿إِلَى﴾ هذه للغاية؛ أي إنَّ فَقْرَكُم مُنْتَهٍ إلى الله ﷿؛ لا يَسُدُّ عَوَزَكُم إلا اللهُ.
قَوْله تعالى: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾: ﴿الْغَنِيُّ﴾ ضِدُّ الفَقير، والغَنِيُّ؛ أي: المُسْتَغْني عن غَيْره كما قال الله ﷾ في سورة (التغابن): ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ [التغابن: ٦]، فالله ﷿ ذو الغِنَى الواسِعِ، ومع ذلك فإن غناه مَقْرُونٌ بِحَمْده؛ ولهذا قالَ: ﴿الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ فهو غنيٌّ يُحْمَد على غناه؛ لأنَّه يجود به على غَيْرِه، لكن بنو آدم قد يكون الإِنْسَان منهم غَنِيًّا ولكن ليس حَميدًا، فإذا كان غنيًّا وتَسَلَّط بغناه على غَيْرِهِ وفَخَرَ به على النَّاسِ ولم يَقُم بما يَجِبُ عليه صار غنيًّا غَيْرَ حَميدٍ، لكن الله ﷿ غنيٌّ حميد.
وكَلِمَة (حميد) يصح أن تكون بمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، ويَصِحُّ أن تكون بمَعْنى اسْم المفعول؛ اسْم الفاعِلِ؛ لأنَّه ﷾ حامِدٌ يَحْمَدُ مِن عبادِهِ كُلَّ من يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ منه؛ ولهذا يُثْنِي على رُسُلِه وأَنْبِيائِهِ وعِبادِهِ الصَّالحِينَ، والثَّناءُ عليهم هو الحَمْدُ.
[ ١٣٣ ]
وهو أيضًا مَحْمودٌ على أَمْرَيْنِ: على ما له من كمال الصِّفاتِ، وعلى ما له من كمالِ الإِنْعامِ؛ فهو مَحْمودٌ لِكَمالِ صِفاتِهِ ومَحْمودٌ لِكَمالِ إِنْعامِهِ وهنا نقول: الحَميدُ مَحْمودٌ لِكَمالِ غِناهُ وكَمَالِ جُودِهِ بهذا الغِنَى؛ لأنَّه ليس كلُّ غَنِيٍّ يكون مَحْمودًا بِبَذْلِ ما عنده من الغِنَى، لكِنَّ الله ﷿ غنيٌّ حَميدٌ.
قَوْله تعالى: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾: ﴿هُوَ﴾ ضميرُ فصل، وضَميرُ الفصل له ثلاثُ فوائِدَ:
١ - الحَصْر، فالله هو الغَنِيُّ لا غَيْرُهُ، فكما تقول: (زَيْدٌ هو الفاضِلُ)؛ يعني: لا غَيْرُه.
٢ - الفَصْلُ بين الخَبَرِ والصِّفَة؛ يعني: التَّمْييزُ بينهما.
٣ - التَّوْكيد؛ فإذا قلت: (زيدٌ هو القائِمُ) فهذا أَوْكَدُ من قَوْلك: (زيدٌ قائِمٌ).