* * *
* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [فاطر: ٢٠].
* * *
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ﴾ الكُفْر ﴿وَلَا النُّورُ﴾ الإيمانُ] وهذا أيضًا فيه نَظَرٌ، والظَّاهِر أنَّ الله ﷾ أراد الظُّلُماتِ الحِسِّيَّةَ والنُّور الحِسِّيَّ؛ لأنَّ نَفْيَ الإسْتِواء بين هذَينِ أمرٌ لا يُمكِنُ إِنْكارُه؛ لأنَّه مُدْرَكٌ بالحِسِّ، فالظُّلُمات لا تستوي والنُّور، ولكِنْ لا شَكَّ أنَّ المُرَادَ بذلك ظُلُماتُ الكُفْر ونور الإيمانِ؛ يعني أنَّها إشارَةٌ إلى هذا؛ ولذلك جمع الظُّلماتِ وأَفْرَد النُّور؛ لأنَّ سُبُلَ الكُفْرِ كَثيرَةٌ، وأمَّا الإيمان فَسبيلُهُ واحِدٌ، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧].
وإنَّما كان الكُفْرُ ظُلُماتٍ؛ لأنَّ فيه الجَهْلَ بالله ﷿، وبما يَجِبُ له، وفيه أيضًا أنَّ الإِنْسَانَ يسير على غَيْر هدًى، ويسيرُ في اتِّجاهاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ مُنْحَرِفَة، فقَلْبُه مُتَشَعِّبٌ في كلِّ وادٍ؛ ولهذا تجد الكافرينَ أَشَدَّ النَّاس قلقًا وأَبْعَدَهم عن الثَّباتِ على خطٍّ مُسْتَقيم.
بخلافِ المُؤْمِن؛ فالمُؤْمِنُ مُؤْمِنٌ، خَطُّه مُسْتَقيم، وعارِفٌ أنَّه يريد الوُصولَ إلى الله، فتَجِدُه يُحَوِّلُ جميعَ الأَفْعالِ إلى طريقٍ واحِدِ وهو الوصول إلى الله؛ حتى إنَّه إذا لَبِسَ ثَوْبَه يَشْعُر بأنَّه ينالُ بذلك مَرْضاةَ الله، إذا أَكَل، أو شَرِبَ، أو نام، أو سافَر،
[ ١٥٧ ]
أو تكَلَّم، أو أَحْجَم، كلُّ ذلك يرى أنَّه في الطَّريقِ إلى الله.
لكنَّ الكافِرَ مُتَشَعِّبٌ، ولذلك كان مَنْهَجُه ظُلُماتٍ؛ لأنَّه مُتَشَعِّب، ليس هناك هدَفٌ واحِدٌ يسعى إليه، أهدافُهُ كَثيرَةٌ، مغرورٌ في الدُّنْيا، مغرورٌ في رؤسائه، مغرورٌ في النَّاس، لا يَهْتَمُّ إلا برضاهم، نسأل الله السَّلامَةَ والعافية، ولا يُهِمُّه أن يَرْضَى الله ﷿، فلهذا كان مُسْتَحَقًّا أن تُجْعَلَ طَريقُ الكافِرِ على سبيلِ الجَمْعِ لِتَشَتُّتِها وتَفَرُّقِها.
* * *
[ ١٥٨ ]