* * *
* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤].
* * *
قوله: ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ الإرسال بمَعنى الأَمْرِ بالتَّبْليغِ أو بِقَضاءِ الحاجَةِ؛ فمثلًا تقول: (أَرْسَلْتُ غلامي يُخْبِرُ فلانًا بكذا وكذا؛ يعني أَمَرْتُه بالتَّبليغِ) أَرْسَلْتُ غلامي يشتري كذا وكذا؛ أي: أَمَرْتُه أن يَشْتَرِيَ الحاجَةَ.
قَوْله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾ يُحْتَمَل أن تكون الباءُ للتَّعْدِيَة؛ أي أنَّنا أعطيناكَ حَقًّا وأرسلناك به، ويُحْتَمَل أن تكون وَصْفًا للرِّسالَة؛ يعني: أرسلناك رِسالَةَ حَقٍّ، والمَعْنى يَخْتَلِفُ.
فعلى المَعْنى الثاني يكون مَعْنى الآيَة أنَّ رِسالَةَ النَّبِيِّ - ﷺ - حَقٌّ، وعلى المَعْنى الأَوَّل يكون معناها: أنَّ الرَّسُول - ﷺ - جاء بالحَقِّ، وإن كان المعنيان متلازِمَينِ، لَكِنَّهما مُخْتَلِفانِ من حيث المَوْرِدُ؛ فعلى الأَوَّل يكون مَوْرِدُ الوَصْفِ الرِّسالَةَ نَفْسَها، وعلى الثاني يكون مَوْرِدُ الوَصْفِ المُرْسَلَ به.
قَوْله تعالى: ﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: أعطيناك حَقًّا تُبَلِّغُه للنَّاسِ ﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ أي إنَّ رسالتنا إليك حَقٌّ، فيكون وَصْفًا للرِّسالة نَفْسِها؛ يعني: لسْتَ بكاذِبٍ بل أنت صادِقٌ، هذا على جَعْلِنا الوَصْفَ عائِدًا للرِّسالَة أمَّا إذا جعلناه عائدًا على
[ ١٧١ ]
المَوْصوفِ به، فالمَعْنى أنَّ ما جِئْتَ به ليس بباطِلٍ، بل هو صِدْقٌ في الأَخْبار وعَدْلٌ في الأَحْكَامِ.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿بَشِيرًا﴾: من أجاب إليه ﴿وَنَذِيرًا﴾ من لم يُجِبْ إليه] فـ ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ يعني أنَّك تُبَشِّر وتُنْذِر، لكن تُبَشِّر بالخَيْر من أجاب، وتُنْذِر بالعقوبة من لم يُجِبْ وعصى؛ وذلك لأنَّ الشّرْعَ يَتَضَمَّن أوامِرَ ونواهِيَ، فمن ارْتَكَبَ النَّواهِيَ أو تَرَكَ الأَوامِرَ واجهناه بالإنذارِ، ومن فعل الأوامِرَ واجْتَنَبَ النَّواهِيَ قابلناه بالبِشارَةِ.
قَوْله ﷿: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾: ﴿وَإِن﴾ نافية، و﴿مِّن﴾ حرف جَرٍّ زائدٌ زائد - ويجوز أن نقول: (زائدٌ زائِدًا) على أنَّ (زائدًا) حالٌ من الضَّمير المُسْتَتِر في (زائِد) الأُولى - المُهِمُّ أنَّه زائدٌ لفظًا زائدٌ مَعْنًى، و﴿أُمَّةٍ﴾ مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَة ﴿خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ خَبَرُها.
والأُمَّةُ هي الطَّائِفَة من النَّاس التي على مَنْهَجٍ واحِدٍ؛ كدين واحد، أو قَوْمِيَّة واحِدَة، أو ما أشبه ذلك، فهذه الأُمَّة، وليس كُلُّ طائِفَة نُسَمِّيها أُمَّة؛ فمثلًا: أنتم الآن لا نُسَمِّيكم أُمَّة إلَّا لأنَّكُم على طريقٍ واحِدٍ، لكن لو اجْتَمَعَتْ جماعَةٌ في مكان مُتَشَتِّتينَ، كلُّ واحدٍ له مَنْهَجٌ لا نقول: هؤلاء أُمَّةٌ، إلا إذا كانوا من قبيلةٍ واحِدَة، أو ما أشبه ذلك.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا﴾ سلف ﴿فِيهَا نَذِيرٌ﴾ نبِيٌّ يُنْذِرُها].
يعني: كُلُّ الأُمَم أَرْسَل الله إليهم نذيرًا؛ لتقوم عليهِمُ الحُجَّة؛ لأنَّه إذا لم يَكُنْ للنَّاسِ نذيرٌ فإنَّ لهم حُجَّة على رَبِّهم، يقولون: يا رَبَّنا ما أَرْسَلْتَ إلينا رُسُلًا.
[ ١٧٢ ]
كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤].
وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - الكَلَامُ على ما في قَوْله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ من الإِشْكالِ، والجوابِ عنه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ الخطابُ في قَوْله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ للنَّبِيِّ - ﷺ -، والإِرسالُ هو تَحْميلُ المُرْسَلِ شيئًا يُبَلِّغُه إلى المُرْسَلِ إليه؛ والجُمْلَةُ مُؤَكَّدَة بـ (إنَّ)، وتوكيدُ الجُمْلَة يدلُّ على الإهتمامِ بها؛ من أَجْلِ أن يُؤْمِنَ الإِنْسَانُ بها إيمانًا كاملًا.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ الباءُ هنا إمَّا أن تكون للتَّعْدِيّة، تقول: (أرسلته بكذا) لبيانِ المُرْسَلِ به، وإمَّا أن تكون للمُصاحَبَة.
يقول المُفَسِّر ﵀: [﴿بِالْحَقِّ﴾ بالهدى] وكأنَّه أخذ هذا التَّفْسيرَ من قَوْلِه ﷾: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التَّوْبَة: ٣٣]، ولكنَّ الصَّحيحَ في الآيَة أنَّ المُرَادَ بالحَقِّ ضِدُّ الباطِلِ، فيشمل الصِّدْق في الخَبَر والعَدْل في الأَحْكَام؛ أي: بالصِّدْقِ في الأَخْبار والعَدْل في الأَحْكَام، وليس الهُدْى فقط، بل الهُدى والصَّلاح، والإِصْلاح، وغير ذلك.
وأمَّا في قَوْلِه تعالى: ﴿بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التَّوْبَة: ٣٣]، فنَعَم، مُمْكِنٌ أن نقول: المُرَاد بالهدى هناك العِلْمُ النَّافِع؛ لأنَّه ذَكَر الهدى وذكر الدِّين، فذَكَرَ العِلْم والعَمَل، أمَّا هنا فلا يَنْبَغي أن نَقْتَصِر على قَوْلنا: (الحَقِّ)؛ أي: الهُدَى، بل نَجْعله أعَمَّ من ذلك؛ لِيَشْمَل الهدى الذي هو العِلْم، ويشمل دِينَ الحَقِّ الذي هو الرُّشْد والصَّلاح
[ ١٧٣ ]
والإِصْلاح، فالرَّسُولُ ﵊ قد تَضَمَّنَت رسالَتُه العُلوم النَّافِعَة كُلَّها والصَّلاح للخَلْق في معاشِهِم ومعادِهِم، وما جاء به فقد تَضَمَّن الصِّدْقَ في الأَخْبار والعَدْلَ في الأَحْكَام.
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾.
﴿بَشِيرًا﴾ حالٌ من الكافِ في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ بمَغنى: (مُبَشِّر).
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿بَشِيرًا﴾ مَن أجابَ إليه ﴿وَنَذِيرًا﴾ مَن لم يُجِبْ إليه] والبِشارَةُ هي الإخبار بما يَسُرُّ، وقد تُسْتعْمَل في الإخبار بما يَسوءُ كما في قَوْلِه تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، وأمَّا الإنذارُ فهو التَّخْويف؛ أي: الإِعْلامُ بما يُخَوِّفُ، والنَّبِيُّ ﵊ كانت رِسالَتُه بشارَةً وإنذارًا؛ لأنَّها إمَّا أمرٌ يُبَشَّرُ فاعِلُه بما يَقْتَضيه ذلك الأَمْرُ، وإمَّا نَهْيٌ يُخَوَّفُ صاحِبُه من ارْتِكابه، فالشَّريعَة كُلُّها بِشارَةٌ ونِذارَةٌ.
وَقَوْل المُفَسِّر ﵀: [﴿بَشِيرًا﴾ من أجاب إليه ﴿وَنَذِيرًا﴾ من لم يُجِبْ] قد يقال: إنَّ الأَوْلى إبقاءُ الآيَة على عُمُومها؛ أي: بشيرًا لَمِن أجاب إليه ونذيرًا له في الوَقْتِ نَفْسِه؛ لأنَّ من أجاب أيضًا يَحْتاجُ إلى إنذارٍ، فتكون البِشارَةُ والإنذارُ شامِلَةً لمن أجاب ومن لم يُجِبْ، حتى من لم يَجِبُ يُبَشَّرُ إن أجاب.
قَوْله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾: ﴿وَإِنْ﴾ بمَعنى (ما) فهي نافِيَة، وقد ذكرنا لـ (إن) النَّافِيَة ضابطًا، لَكِنَّه لا يُحيطُ بِجميعِ موارِدِها، وهو أنَّه: إذا أَتَتْ بعدها (إلا) فهي نافِيَة؛ مثل قَوْله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِير﴾، وَقَوْله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١١٠]، وَقَوْله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٧]، وَقَوْله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧] ومنها أيضًا هذه الآيَة: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ
[ ١٧٤ ]
إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾.
﴿مِنْ﴾ زائِدَةٌ زائِدَةٌ؛ زائِدَةٌ إِعْرابًا، زائِدَةٌ مَعْنًى.
فإن قُلْتَ: كيف تكون زائِدَةً زائِدَةً؟
قلنا: لأنَّ زاد يُسْتَعْمَلُ لازمًا ومُتَعَدِّيًا، فيقال: (زاد الطِّينُ بِلَّةً) هذا مُتَعَدِّ، ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التَّوْبَة: ١٢٤] هذا مُتَعَدٍّ أيضًا، وتقول: (زاد المالُ) فهذا لازم، فـ (زائِدَة) الأُولى من النَّاقِص الذي لا يتعَدَّى، و(زائِدَة) الثانية من المُتَعَدِّي.
قَوْله تعالى: ﴿أُمَّةٍ﴾: وأُمَّة مُبْتَدَأ مَرْفوعٌ بضَمَّة مُقَدَّرَة على آخرها منع من ظهورها اشْتِغالُ المَحَلِّ بحَرَكَةِ حَرْفِ الجَرِّ الزَّائِدِ.
قَوْله تعالى: ﴿إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [﴿خَلَا﴾ بمَعْنى سلف ﴿فِيهَا نَذِيرٌ﴾ نبيٌّ يُنْذِرُها] والأُمَّةُ هنا بمَعْنى الطَّائِفَة، وتأتي في القُرْآن على أربعة أوجه:
فتكون بمَعْنَى (الطَّائِفَة) كما هنا.
وتكون بمَعْنى (الزَّمَن) مثالها: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥].
وتكون بمَعْنى (الدِّين والمِلَّة) كما في قَوْله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢].
وتكون بمَعْنى (الإمام) مثل قَوْله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل: ١٢٠].
وَقَوْله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا﴾ أي: سَلَفَ ومضى ﴿نَذِيرٌ﴾ يُنْذِرُها؛ وذلك لتقومَ الحُجَّة على العباد؛ لأنَّ العُقُولَ مهما بَلَغَتْ لا يُمْكِن أن تعرف ما يَجِبُ
[ ١٧٥ ]
لله ﷿ من الحُقوق، كما لا يُمْكِن أن تَعْرِف ما يَجِبُ له من الأَسْماءِ والصِّفات على سبيل التَّفْصيل، وإن كان العَقْل يُدْرِك أنَّ الإِنْسَان لا بُدَّ أنْ يَعْبُدَ خالِقَه، ويُدْرِك أنَّ الخالِقَ لا بُدَّ أن يكون مُتَّصِفًا بصِفاتِ الكَمالِ، لكنْ على سبيل الإِجْمالِ لا على سبيل التَّفْصيلِ، فمن أجل ذلك أَرْسَل الله الرُّسُل؛ لتقوم الحُجَّةُ على العباد.
فما من أُمَّةٍ إلا خلا فيها نذيرٌ، قد يكون الأنبياءُ في وقتٍ واحِدٍ في أمكنةٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وقد يكون الأَنْبياءُ في وقتٍ واحِدٍ في مكانٍ واحِدٍ، أمَّا أن يوجد مكانٌ واحِدٌ لم يكن فيه نبِيٌّ فهذا لا يُمْكِن، لا بُدَّ أن تكون جميعُ الأُمَم قد بعث إليها الرُّسُلَ، ونظير هذا قَوْله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].