* * *
* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [فاطر: ٢٥].
* * *
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ أي: أَهْلُ مَكَّة] هذا تَفْسيرٌ لـ (الواو) في قَوْله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: فليس بِبدْعٍ أن يُكَذِّبَك قَوْمُك؛ لأنَّ الذين من قبلهم كَذَّبوا الرُّسُل، وهذا كقَوْله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ [الأنعام: ٣٤]؛ يعني: ليس الأَمْرُ مُقْتَصِرًا على التَّكْذيب فقط، بل تَكذيبُ وأَذِيَّة بالقَوْل وأَذِيَّة بالفِعْل، بل أَعْظَمُ من ذلك القَتْل؛ فإنَّ كثيرًا مِمَّن أَرْسَل الله إليهم الرُّسُلَ قَتَلوهم.
وخصَّه ﵀ بأَهْلِ مَكَّة، والصَّحِيحُ أنَّه ليس خاصًّا بأَهْل مَكَّة، بل أَهْلُ مَكَّة وغَيْرهم، فالرَّسُول كَذَّبَه أَهْل مَكَّة وكَذَّبَه أَهْل الطَّائِف (^١) وغيرهم من المُشْرِكين، فالصَّوابُ العُمُومُ.
قَوْله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.
﴿الَّذِينَ﴾: فاعل، والمفعولُ مَحْذُوفٌ؛ أي: فقد كَذَّبَ الذين من قبلهم رُسُلَهم.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم: آمين، رقم (٣٢٣١)، ومسلم: كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين، رقم (١٧٩٥)، من حديث عائشة - ﵂ -. وانظر: سيرة ابن هشام (١/ ٤١٩ - ٤٢٠).
[ ١٨٢ ]
قَوْله تعالى: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ ومع ذلك كفروا ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ هذه الباء للمُصاحَبَة؛ يعني: جاؤوا مُصْطَحبينَ هذه الأَشْياءَ، ويُحْتَمَل أنَّها للتَّعْدِيَة، كما تقول: (أَتَيْتُ بِدِرْهَم، أتيت بِطَعامٍ، أَتَيْتُ بِشَرابٍ)، وما أشبه ذلك؛ يعني: أَتَوْا بالبَيِّنَة التي تُبَيِّنُ صِدْقَهُم، وتَفْسيرُ المُفَسِّر ﵀ للبَيِّناتِ بالمُعْجِزاتِ، هذا هو تعبيرُ كثيرٍ من المُتَأَخِّرينِ، ولكنَّ الصَّوابَ أن يقال: (بالآيات)، وأنَّ البَيِّناتِ هذه هي صِفَةٌ لمِوْصوفٍ مَحْذُوفٍ، تَقْديره: (بالآياتِ البَيِّناتِ)؛ أي: الظَّاهِرَة.
والآياتُ التي جاءت بها الرُّسُلُ حِسِّيَّة ومَعْنَوِيَّة، فمن الآياتِ الحِسِّيَّة: ما جاء به موسى ﵊ من العصا، واليد، وغير ذلك، ومن الآيات المَعْنَوِيَّة: ما جاء به من التَّوْراةِ، وكذلك عيسى وغيرهما من الرُّسُلِ، كلُّ رسول لم يأتِ إلا ببَيِّنَة.
وقد ثبت عن النَّبِيِّ ﵊ أنَّه "مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ" (^١)، وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّه ليس من الحِكْمَة ولا من الحُجَّة ولا من الرَّحْمَة أن يُرسَل رسولٌ إلى الخَلْق يَسْتَبيحُ دماءَ المُخالِفينَ له وأَمْوَالَهم ونِساءَهُم بدون بَيِّنَةٍ حتى لو فُرِضَ أنَّ أَحَدًا كَذَّبَه وهو لم يأتِ ببَيِّنَة لكانَ المكذِّبُ مَعْذورًا؛ لأنَّ البَيِّنَة على المُدَعِّي، فكان من حِكْمَةِ الله ورَحْمَتِه وإقامَةِ حُجَّته أن يجعل مع الرُّسُل آياتٍ تَشْهدُ بِصِدْق ما جاؤوا به.
وقد ذكر أَهْلُ العِلْم ﵏ أنَّ الآياتِ التي جاء بها الرُّسُل - ولا سيَّما الآياتُ الحِسِّيَّةُ - تكون مناسِبةً لِأَبْرَزِ الأُمُور في عَصْرِهم، وضربوا لذلك مثلًا بأنَّ
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الإعتصام، باب قول النبي - ﷺ - بعثت بجوامع الكلم، رقم (٧٢٧٤)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد - ﷺ -، رقم (١٥٢)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ١٨٣ ]
موسى - ﷺ - جاء بالعصا واليد؛ لأنَّه اشْتُهِرَ في عصره وبرز في عَصْره صِناعَةُ السِّحْرِ؛ فجاء بأمرٍ فوق ما تَجيءُ به السَّحَرَة؛ السَّحَرَةُ إنَّما يُمَوِّهونَ ويُخَيِّلونَ، وهو جاء بالحَقيقَة.
قال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦] يُخَيَّل إليه، ولَكِنَّه ليس بحَقيقَةٍ، هو ألقى عصاه فصار حَقيقَةً فِعْلِيَّة تَلْقَفُ ما يَأْفِكون.
قالوا: وعيسى - ﷺ - أتى في وقتٍ تَرَقَّتْ فيه صناعة الطِّبِّ، فجاء بأمرٍ يَعْجِزُ عنه الأَطِبَّاء ولا يَسْتَطِيعونَه؛ جاء بإِبْراء الأَكْمَهِ، والأَبْرَصِ، وإحياءِ الموتى، وخَلْقِ صُورَةٍ من الطِّينِ يَنْفُخُ فيها فتطيرُ؛ أي: تكون طيرًا حَقِيقِيًّا.
وهذا يعْجِزُ عنه الطِّبُّ، فلا يُمْكِن لأيِّ طَبيبٍ يكون أمامَه رَجُلٌ مَيِّتٌ، فيقول: (قم) فيقوم، أبدًا، لا يُمْكِنُ لأيِّ طبيب يأتي إلى المقابِرِ ويَقِفُ على القَبْرِ ويقول: (اخْرُج) فيَخْرُج، وعيسى يفعل ذلك؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠] فهو يُخْرِجُهم من مَدافِنهم، ولا يُمْكِن لأيِّ إِنْسَانٍ من الأَطِبَّاء أو غَيْرهم أن يَخْلُقَ من الطِّينِ كَهَيئَةِ الطَّيْرِ فَيَنْفُخ فيه فيطير، أبدًا.
فالأَكْمَهُ والأَبْرَصُ لا يُمْكِن لأَحَدٍ أن يُبْرِئَه من المَرَضِ الذي أصابه بِمِثْل ما يُبْرِئُه عيسى ﵊؛ يُؤتَى إليه بِذَوِي العاهات ويَمْسَحُ بِيَدِهِ عليه ويَبْرَأ، يزول؛ يعني: هذا البَرَص الذي ملأ الجِلْدَ أو أَكْثَره يُمِرُّ يَدَه عليه فلا تتعدى يَدُه مكانًا إلا عاد على طَبيعَتِه، هذا لا يَسْتَطِيع أَحَدٌ من الأطِبَّاءِ مهما بلغ في الطِّبِّ أن يصل إلى هذه الحالِ.
[ ١٨٤ ]
قالوا: ومُحَمَّدٌ ﵊ أتى إلى قومٍ قد بَلَغوا في البَلاغَة ذِرْوَتَها، فجاء بكَلَامٍ لا يَسْتَطِيعونَ مُباراتَه أبدًا، وهو كَلَامُ الله، وتَحَدَّاهم الله تعالى في عِدَّة آياتٍ أن يأتوا بسورة من مِثْلِه، أو بِعَشْر سورٍ مِثْلِه، أو بِحَديثٍ منه، فلم يَسْتَطِيعوا.
المُهِمُّ: أنَّ جميعَ ما جاءت به الرُّسُل آياتٌ بَيِّناتٌ.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَبِالزُّبُرِ﴾: كصُحُفِ إبراهيمَ] الزُّبُر جَمْعُ زبورٍ، وهو ما يُزْبَرُ ويُؤَثِّر؛ يعني: الكِتَاب، ولو أنَّ المُفَسِّر ﵀ قال: (كَزَبورِ داودَ) لكان أَنْسَبَ للآيَةِ، لأنَّ صُحُفَ إبراهيم ما ذكر الله عنها أنَّها زُبُرٌ، ولكن ذكر: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣].
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ هو التَّوْراةُ والإِنْجيلُ] الصَّواب أنَّ الكِتَاب المُنيرَ ليس التَّوْراة والإِنْجيل، بل كُلُّ كِتَابٍ بَعَثَ الله به الرَّسُولَ يُنيرُ الطَّريقَ لِأُمَّتِه، فيشمل التَّوْراة، والإنجيل، والزَّبُور، وصُحُف إبراهيم، وغير ذلك، ما من رسولٍ أَرْسَلَه الله إلا معه كِتَاب، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٢١٣].
فلا يُمْكِن أن نقول: إنَّ نوحًا ﵊ أُرْسِلَ بدون كِتَابٍ أبدًا، لا بُدَّ أنَّه أَرْسِلَ بكِتَاب، لكن لا يَلْزَمُ من كونه أُرْسِلَ به أن يُذْكَر لنا هذا الكِتَاب.
قَوْله: [فاصبر كما صبروا] وهل صَبَرَ الرَّسُولُ ﵊؟
الجواب: نعم، صبر صبرًا لا يَصْبِره إلا أولو العَزْم.
[ ١٨٥ ]