* * *
* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧].
* * *
الإسْتِفْهامُ هنا للتَّقْريرِ، وهذا هو الغالِب فيما إذا أتى حرف النَّفْي، أو إذا أتت أداة النَّفْيِ بعد همزَةِ الإسْتِفْهامِ؛ أن يكون للتَّقْريرِ كقَوْله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: ١]، وَقَوْله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠]، وَقَوْله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]، وأمثال ذلك، فإذا أتت أداةُ النَّفْيِ بعد هَمزَةِ الإسْتِفْهامِ فالغالِبُ أن يكون الإسْتِفْهامُ للتَّقْريرِ.
قَوْله تعالى: ﴿أَلَمْ تَر﴾ حُذِفَتِ الأَلِفُ للجازِمِ؛ لأن (لم) تَجْزِم، والفِعْل المعْتَلُّ يُجْزَم بحذف حَرْف العِلَّة.
وَقَوْله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والخبر فيها مُقَدَّم وهو قَوْله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ﴾.
وَقَوْله تعالى: ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾: صِفَةٌ لـ ﴿جُدَدٌ﴾، وَقَوْله تعالى: ﴿سُودٌ﴾ قيل: إنَّه على التَّقديمِ والتَّأخيرِ؛ أي: وَسُودٌ غَرابيبُ، وقيل: إنَّه على الأَصْل، وأنَّ ﴿سُودٌ﴾ تَقَعُ مَوْقِعَ التَّوْكيدِ لما قَبْلها؛ لأنَّ الغِرْبيبَ هو: الشَّديدُ السَّوادِ.
قَوْله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [تَعْلَمْ]، فالرُّؤْيَة هنا عِلمِيَّة، وعُلِّقَت
[ ١٨٩ ]
عن العَمَل بـ (أنَّ) وما دَخَلَت عليه، فإن (أنَّ) وما دَخَلَتْ عليه تُعَلِّق أفعالَ القلوب عن العَمَل، ويُحْتَمَل أن تكون الرُّؤْيَة هنا بَصَرِيَّة؛ يعني: (ألم تَنْظُرْ وتُبْصِر)؛ لأنَّ ما ذُكِرَ يُرى بالعيْنِ، وما كان يُرى بالعَيْنِ فإنَّه يجوز أن يُرادَ به الرُّؤْيَة بالعَيْنِ، لكن إذا جعلناها علمِيَّةً كان ذلك أَعَمَّ؛ لأنَّ هذا الأَمْر قد لا تراه بِعَيْنِك ولكن تَسْمَعُه في بلادٍ أخرى غَيْر بلادك.
وَقَوْله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ المُرَادُ بالسَّماء هنا العُلُوُّ، والمُرَادُ بالماءِ المَطَرُ، وليس المُرَادُ بالسَّماءِ الأَجْرامَ السَّماوِيَّة المَعْروفَة؛ لأنَّ الماء إنَّما يَنْزِل من السَّحاب، والسَّحابُ عالٍ، ولَكِنَّه بين السَّماءِ والأَرْض.
وَقَوْله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ قال ﵀: [فيه التفاتٌ عن الغَيْبِة] لو كان الكَلَام على نَسَقٍ واحد لقال: (فَأَخْرَج به) بضَميرِ الغَيْبَة، لَكِنَّه صار فيه التفات عن الغَيْبَة إلى التَّكَلُّم.
والإلتفاتُ فيه فوائِدُ:
الأولى: فائِدَةٌ مُشْتَرِكَة في جميع موارِدِه ومواضِعِه، وهي: تَنْبيهُ المخاطَب؛ لأنَّ الكَلَام إذا كان على نَسَقٍ واحدٍ اسْتَمَرَّ الإِنْسَانُ معه ولم يكن هناك شَيْءٌ يُوجِبُ أن يَنْتَبِه ويَتَفَطَّن، فإذا اختلف السِّيَاقُ من غَيْبَة إلى تَكَلُّم، أو إلى خطاب، أو ما أشبه ذلك، فإنَّ الإِنْسَانَ يَنْتَبِه؛ يعني: كأنَّه يكون علَمًا على تغيُّر الأُسْلوبِ لِيَنْتَبِه المخاطَب.
الفائِدَة الثانيةُ هنا: قَوْله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ فإنَّ (نا) هذه تفيدُ التَّعْظيم؛ لأنَّ الإِخْراجَ أَعْظَمُ من الإنزال بالنِّسْبَة للنِّعمَة علينا، فإنَّه لو نزل المطر ولم يَخْرُجِ النبات لم نَسْتَفِدْ من المطر كما جاء في الحديثِ الصَّحِيح الذي رواه مُسْلِم: "لَيْسَتِ
[ ١٩٠ ]
السَّنَةُ بِألَا تُمْطَرُوا، وَلَكِنِ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَتُمْطَرُوا وَلَا تُنْبِتُ الأَرْضُ شَيْئًا" (^١)، فلما كان إنعامُ الله تعالى بإخراجِ النَّباتِ أَعْظَمَ صار الإلتفاتُ إلى التَّكَلُّم أولى لعِظَمِ المِنَّة فيه.
قَوْله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ فهنا قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ﴾ ولم يقل: (أَخْرَجْنا به نباتًا)، وقد قاله في آيَةٍ أخرى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ [الأنعام: ٩٩] لكن هنا قال: ﴿ثَمَرَاتٍ﴾ لأنَّ المَقصودَ من هذا الخارِجِ هو الثَّمَرة، فبيَّن الله ﷾ الغايَةَ المقْصودَةَ وهي الثَّمَراتُ.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ كأَخْضَر وأَحْمَرَ وأَصْفَرَ وغيرها] وهذا يدلُّ على قُدْرَةِ الله، فهذه الثَّمَرات مُخْتَلفٌ ألَوْانُها، وكَلِمَة (ألَوْان) يُحْتَمَل أن يكون المُرَادُ ما ذكره المُفَسِّر ﵀ وهو اللَّون المُخْتَلِف بالحُمْرَة، والصُّفْرَة، والخُضْرَة، وما أشبه ذلك، ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرَاد بالأَلْوانِ الأَصْنافُ، فإنَّ الأَلْوانَ تُطْلَق على الأَصْنافِ كما قال الإمامُ أَحمَدُ ﵀ في صلاةِ اللَّيْلِ في قيام رَمَضانَ قال: "رُوِيَ في ذلك ألَوْانٌ" (^٢) أي: أَنْواعٌ وأَصْنافٌ، وإذا نظرْتَ إلى الخارج من الأَرْض وَجَدْتَ أنَّه ذو ألَوْانٍ في شَكْلِه، وذو ألَوْان في أَنْواعِهِ وَأَصْنافِهِ، ما بين حُلْوٍ ومُرٍّ ومُتَوَسِّط وحامِض وغير ذلك مِمَّا هو معلومٌ.
وهذا الأَخيرُ إذا قلنا: إنَّ المُرَاد بالأَلْوانِ ما يَعُمُّ الأَنْواعَ؛ أَشْمَلُ مِمَّا لو قلنا: إنَّ المُرَادَ بالأَلْوان اختلاف الشَّكْل، وقد تقَدَّمَت قاعِدَة: بأنَّه كلَّما كان المَعْنى أَشْمَل في باب التَّفْسيرِ كان أولى؛ لأنَّ الأَشْمَل يَعُمُّ الأَخَصَّ وغيره، بخلاف الأَخَصِّ.
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في سكنى المدنية وعمارتها قبل الساعة، رقم (٢٩٠٤)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) مسائل الإمام أحمد رواية الكوسج (٢/ ٧٥٦).
[ ١٩١ ]
قَوْله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ﴾ هذه جملَة اسْتِئْنافِيَّةٌ يُبَيِّن الله ﷿ فيها كمال قُدْرَته أيضًا بالنِّسْبَةِ للأَرْض وطَبقاتِها.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ﴾ جَمْع جُدَّةٍ: طريقٌ في الجَبَل وغيره] من الجبالِ جُدَدٌ؛ يعني: شَيْءٌ يُشْبِه الطُّرُق لاختلافه عن بَقِيَّة الجبل، وهو مُخْتَلِفٌ في اللون، ومختلفٌ في الماهِيَّة أيضًا.
نحن نرى بعض الجبال الآن ولا سيَّما إذا فُتِحَ الجَبَلُ نرى في أثنائه خُطُوطًا قد تكون سوداءَ، وقد تكون حَمْراءَ، وقد تكون بُنِّيَّة، وقد تكون بيضاءَ، المُهِمُّ أنَّنا نجد فيه خطوطًا تُخالِفُ بَقِيَّة الجَبَل، هذه الجُدَد التي ذكرها الله ﷿ هنا، فالجبالُ تَخْتَلِفُ ألَوْانُها أيضًا، وهذا الإختلاف في اللون؛ يعني: الإختلاف في الماهِيَّة والحَقيقَة، ليسَتِ الحصاةُ السَّوداءُ كالحَصَاةِ البَيْضاءِ أو الحَمْراء أو ما أشبهها مِمَّا يخالِفُها في اللون، بل لا بُدَّ أن يكون هناك اختلافٌ في طَبيعَةِ هذه الحَصاة كما كان اخْتِلافُ الثَّمَراتِ في ألَوْانِها يدلُّ على اختلافها في طُعُومها وفي ماهِيَّتِها.
قَوْله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ﴾ ذَكَرَ الله ﷿ ﴿بِيضٌ وَحُمْر﴾ وكان المُتَوَقَّع أن يقول: (بيضٌ وسُودٌ)؛ لأنَّ هذا هو المَعْروف في مُقابَلَةِ البَياضِ؛ أن يُقابَلَ بالسَّوادِ، لَكِنَّه قال: ﴿وَحُمْرٌ﴾ لأنَّ الحُمْر أَقْرَبُ إلى البياضِ من السُّودِ، وستُذْكَر في قَوْله تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾.
هذه الجُدَد بِيضٌ وحُمْرٌ، قال المُفَسِّر ﵀: [وصُفْر] ونحن ربَّما نقول أيضًا: (وزُرْق) وغير ذلك من الألَوْان، والله ﷿ لم يَذْكُر هذَينِ اللَّوْنَيْنِ للحَصْر، وإنَّما هو على سبيل التَّمْثيلِ.
[ ١٩٢ ]
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ بالشّدَّةِ والضَّعْفِ] هنا فسَّر المُفَسِّر ﵀ الألَوْان بالماهِيَّة وليس بالأَشْكالِ؛ لأنَّه قال: [بالشِّدَّةِ والضَّعْف] ولم يقل: [باللَّون الأَحْمَر أو الأَبْيَض].
على كُلِّ حالٍ: (الألَوْان) كما سبق تُطْلَقُ على الأَنْواع أحيانًا.
وهذا الإختلاف في ألَوْانِ أَحْجارِ الجبال كالإخْتِلاف في ألَوْانِ الثِّمار.
قَوْله تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [عطفٌ على جُدَد؛ أي: صخورٌ شديدَةُ السَّوادِ، يقال كثيرًا: أَسْوَدُ غِربيبٌ، ويقال قليلًا: غربيبٌ أَسْوَدُ]، فالغَرابيبُ جَمْع غِرْبيِبٍ، والغِربيِبُ: شديدُ السَّوادِ.
وكان مُقْتَضَى التَّرْكيبِ أن يقال: (وسُودٌ غَرابِيبُ)، ولكنَّ الله تعالى قدَّم فقال (وَغَرَابِيبُ سُودٌ) فعلى هذا زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ في الكَلَام تقديمًا وتَأْخيرًا، وقال بعضهم: بل هو على تَرْتيبِهِ، ليس فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، ولكنَّ الله ﷾ بيَّن الأَسْوَدَ الشَّديدَ السَّوادِ قبل بيان مُطْلَقِ السَّوادِ، هذا أيضًا مُشاهدٌ؛ نجد في الجبال طُرُقًا يعني كالطَّريقِ أو كالخَطِّ أَسْوَد خالصًا، وإلى جانبه طريقٌ أَبْيَضُ، أو أَحْمَر، أو ما أشبه ذلك، كل هذا دليلٌ على قُدْرَةِ الله ﷿.
فنجد نحن أنَّ هذا الإخْتِلافَ في الجبال هو كالإخْتِلافِ في الثَّمَرات.