* * *
* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩].
* * *
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ﴾ يَقْرَؤون ﴿كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ أداموها ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ زكاةً وغَيْرها ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُور﴾ تَهْلِكَ].
الإِعْرابُ في هذه الآيَة واضِحٌ ليس فيه إشكال، إلا أنَّ قَوْله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ﴾ تَحتاجُ إلى خَبَرٍ، فما هو الخبر؟ الخبر هو جُمْلَة ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُور﴾ هذا هو الصَّحِيحُ من أَقْوَال المُعْربين؛ يعني: أَنَّ هؤلاء فعلوا ذلك يَرْجونَ تجارةً لن تبور، فجُمْلَة ﴿يَرْجُونَ﴾ هي خبر ﴿إِنَّ﴾.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [يَقْرَؤُون] والصَّوابُ أنَّ التِّلاوَةَ أَعَمُّ من القِراءَة، فالتِّلاوَةُ نوعان: تلاوةٌ لَفْظِيَّة وهي القِراءَة، وتِلاوَةٌ عَمَلِيَّة وهي اتِّباعُ القُرْآن تَصْديقًا للخَبَر وامْتِثالًا للأَمْر؛ ولهذا يقال: (تلاه بمَعْنى تَبِعَه)؛ أي: جاء بعده، فالتِّلاوَةُ أَعَمُّ من القِراءَة، والتِّلاوَة العَمَليَّة تَسْتَلْزِم فَهْم المَعْنى؛ لأنَّه لا يُمْكِن أن يُعْمَل إلا بما يُفْهَم، وعلى هذا يكون فِعْلُ الصَّحابَة - ﵃ - تطبيقًا لهذه الآيَة تمامًا؛ لأنَّهم لا يتجاوَزونَ عَشْرَ آياتٍ حتى يَتَعَلَّموها وما
[ ٢٠٤ ]
فيها من العِلْمِ والعَمَلِ، قالوا: "فَتعَلَّمْنَا القُرْآن وَالعِلْمَ وَالعَمَلَ" (^١).
قَوْله تعالى: ﴿يَتْلُونَ﴾ فعلٌ مُضارعٌ يدلُّ على الإسْتِمْرار، بخلاف ما لو قال: (إنَّ الذين تَلَوْا) بالماضي، فإنَّه لا يُفيدُ المَعْنى الذي يُفيدُه المضارُعُ ﴿يَتْلُونَ﴾.
وَقَوْله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ هل هو القُرْآنُ أو هو أَعَمُّ من ذلك؟
الجواب: هو أَعَمُّ من ذلك، كِتَاب الله: الكُتُب التي أنزلها الله تعالى على الرُّسُل، فيَشْمَلُ جَميعَ الكُتُبِ؛ لأنَّ هذا الحُكْم يَشْمَلُ المُؤْمِنينَ من هذه الأُمَّة والمُؤْمِنينَ مِمَّا سَبَقَهم، فيكون المُرَادُ هنا: ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ كل كِتَابٍ أنزله الله تعالى على رسُله.
قَوْله تعالى: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ معطوفَةٌ على ﴿يَتْلُونَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [أداموها] والصَّوابُ خلاف ما قاله المُفَسِّر ﵀، يعني: معناه أنَّنا نختار كَلِمَةً أَشَدَّ مُطابَقَةً لِلَّفْظِ؛ فـ ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: أتَوْا بها مُسْتَقيمَة؛ فيَشْمَلُ فِعْلَ الصَّلاة تامَّةً بِشُروطِها، وأَرْكانِها، وواجِباتِها، ومُسْتَحَبَّاتِها، ويَشْمَلُ الإِدامَة، أيضًا؛ لأنَّ الإِدامَة مِنَ الإِقامَة، وعلى هذا نقول: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: فَعلوها قائِمَةً؛ أي: مُسْتَقيمَة على الوَجْهِ المطلوبِ منهم.
لو أنَّ الإِنْسَان أدامَ الصَّلاةَ لكن يُخِلُّ بأرْكانِها أو واجباتِها، فهل يقال: إنَّه أقام الصَّلاة؟ الجواب: لا، فالرَّجُلُ الذي جاء يُصَلِّي ولا يَطْمَئِنُّ كان يصلي هذه الصَّلاة منذ أَسْلَم، والرَّسُولُ ﵊ قال له: "صَلِّ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ" (^٢) مع أنَّه يُديمُ
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (٥/ ٤١٠)، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب النبي - ﷺ - فذكره.
(٢) أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم، رقم (٧٥٧)، ومسلم: كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، رقم (٣٩٧)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٢٠٥ ]
الصَّلاة ويُصَلِّي لَكِنَّه لم يُصَلِّ؛ حيث إنَّه لم يأتِ بها قائِمَةً على الوجه المطلوب، فالصَّوابُ أنَّ الإقامَة هنا بمَعْنى أن يفعلها على الوَجْهِ المطلوب منه.
والصَّلاةُ مَعْروفة للجميع لا تحتاج إلى تَعْريفٍ؛ لأنَّها عِبَادَةٌ ذاتُ أَقْوَالٍ وأفعالٍ مَعْلومَةٍ، مُفْتَتَحَةٌ بالتَّكْبيرِ مُخْتَتَمَةٌ بالتَّسْليمِ.
قَوْله تعالى: ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾.
﴿وَأَنْفَقُوا﴾ بمَعْنى بذلوا وأَخْرَجوا، ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ مما أعطيناهم؛ لأنَّ الرِّزْق بمَعْنى العطاء.
وَقَوْله تعالى: ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ هل (مِنْ) لبيانِ الجِنْسِ أو هي للتَّبْعيض؟ الأَوْلى أن نجعلها لبيانِ الجِنْس؛ لتَشْمَل ما لو أنفقوا جميعَ أَمْوالِهم على الوجْه الذي يرضاه الله ورسوله، فإنَّهم يدخلون في هذا الوَصْفِ.
قَوْله تعالى: ﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾: ﴿سِرًّا﴾ مَصْدَرٌ، ولَكِنَّها في مَوْضِعِ الحالِ؛ أي: مُسِرّينَ ومُعْلِنينَ، فالإسرارُ أن يُخْفُوا الإنفاقَ، فلا يَعْلَمُ به إلا المُنْفَقُ عليه، والإعلان أن يُظْهِروه للنَّاس إمَّا إِظْهارًا كامِلًا شامِلًا، وإمَّا أن يكون إظهارًا نِسْبِيًّا يَعْلَمُ به مَن حوله، وكل ذلك يُمْدَحُون عليه، وسيأتي - إن شاء الله - في ذكر الفَوائِدِ أنَّ هذا يكون بحَسَبِ الحالِ.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ زكاةً وغيرها] غَيْر الزكاة: كالإِنْفاقِ الواجِبِ على الأَقارِبِ وكَصَدَقاتِ التَّطَوُّع، فالإنفاق هنا شامِلٌ.
قَوْله تعالى: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾.
[ ٢٠٦ ]
﴿يَرْجُونَ﴾ يعني: يُؤَمِّلون ويطلبون من هذه التِّجارة ﴿تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ أي: لن تَهْلِكَ، كما قال المُفَسِّر ﵀.
وما هذه التِّجارة؟
التجارة ذكرها الله ﷿ في قَوْله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف: ١٠ - ١٢] فهنا عِوَض ومُعَوَّض، العِوَض: الإيمان بالله والجهادُ في سبيله، المعوَّضُ: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ [الصف: ١٢] هذه التِّجارة لا شَكَّ أنَّها أَرْبَح التِّجاراتِ، وأنَّها أَبْقَى التِّجاراتِ.
أَرْبَحُ التجارات؛ لأنَّ الرِّبْحَ فيها العَشْرُ مِئَة، فالحَسَنَة بِعَشْرِ أَمْثالهِا إلى سَبْعِ مِئَة ضِعْفٍ إلى أضعافٍ كثيرة.
وأبقى كذلك؛ فهي أبقى التجارات بلا شَكٍّ؛ لأنَّها في جنَّاتِ عَدْنٍ؛ أي: في جنات إِقامَةٍ لا ظَعْنَ فيها.