* * *
* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [فاطر: ٣٨].
* * *
صِلَةُ هذه الآيَة بما قبلها: أنَّه لمَّا ذَكَرَ أَحْوالَ الطَّائِعينَ ومَثُوبَتَهم وأحوالَ العاصينَ وعُقُوبَتَهم بيَّن أنَّ هذا صادِرٌ عن علمٍ تامٍّ؛ فإنَّ الله تعالى عالِمُ غَيْبِ السَّمَواتِ والأَرْضِ، وعالِمُ ما في الصُّدور.
وَقَوْله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ﴾ أي ما غاب في السَّمَواتِ والأَرْضِ غيبًا مُطْلَقًا عن كلّ أَحَدٍ.
وَقَوْلنا: (غيبًا مُطْلَقًا) احترازٌ من الغَيْبِ النّسْبِيِّ؛ فإنَّ الغَيْبَ النّسْبِيَّ لا يختصُّ عِلْمُه بالله ﷿، بل يَعْلَمُه الله، ومَنْ عَلِمَهُ مِن عِبادِ الله.
مثال الغَيْبِ النِّسْبِيِّ: أن يكون الشَّيءُ الظَّاهِرُ بالنِّسْبَة لقَوْمٍ خَفِيًّا بالنِّسْبَة لآخَرينَ، فنحن هنا نعْلَمُ ما بين أيدينا، لكن لا نَعْلَمُ ما كان في السُّوق أو في البيوت، وهذا نُسَمِّيه غَيْبًا نَسْبِيًّا؛ لأنَّ الذين في البُيُوت أو في السوق يَعْلَمونَه.
فالغيب المُطْلَق هذا لله ﷿ وَحْدَه، يَعْلَم ما غاب عن الخَلْقِ مُطْلَقًا، حتى الأُمُورُ المُسْتَقْبَلَة يَعْلَمُها ﷿، يَعْلَمُها متى تكون وأين تكون وكيف تكون.
وَقَوْله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ إنَّه عليمٌ بذاتِ الصُّدُور؛ أي:
[ ٢٦٩ ]
بصاحِبَةِ الصُّدورِ، وهي القُلُوب، والقلوب هي مَحَلُّ العَقْلِ والتَّفْكير والإِرادَةِ، فهو عليمٌ بها ﷿، وإخبارُ الله تعالى بأنَّه عالِمُ غَيْب السَّمَوات والأَرْض يُقْصَد منه التَّحْذيرُ من المُخالَفَةِ، والتَّرغيبُ في المُوافَقَةِ.
فأنت إذا وافَقْتَ الله ﷿ فلن يَضيعَ عمَلُك؛ لأنَّه معلومٌ لله، وإن خالَفْتَ فلن يَضيعَ؛ لأنَّه معلومٌ لله؛ لَكِنَّه بشارةٌ بالنِّسْبَة للطَّائعينَ، وإنذارٌ بالنِّسْبَة للمُخالِفينَ العاصينَ.