* * *
* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾ [فاطر: ٣٩].
* * *
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [جَمْعُ خليفَةٍ؛ أي يَخْلُفُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا].
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ﴾ الضَّميرُ يعود على الله في قَوْله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
وَقَوْله تعالى: ﴿جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ﴾ صيَّرَكُم خلائِفَ، وخلائِفُ جَمْعُ خليفة، والخليفةُ بمَعْنى الخالِفِ الذي يَخْلُفُ من سَبَقَه، وهذه الخلافَةُ تَشْمَلُ خلافَةَ القُرونِ بَعْضِها بعضًا كالشَّبابِ مثلًا يَخْلُفُ الشُّيوخَ والكِبارَ، والأَحْياء يَخْلُفونَ الأَمْواتَ.
وتَشْمَلُ الخِلافَة خِلافَة السُّلْطَة بأن يَذْهَبَ سُلْطانُ شَخْصٍ إلى سُلْطانِ شَخْصٍ آخر، فيَنْتَقِلُ المُلْك من شخص إلى شخص بالقُوَّةِ مع بقاء الأول، لِقَوْلِه تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦].
فالخلافة إذن: خلافَةُ القُرونِ بَعْضِها بعضًا، وخلافَةُ الملوكِ بَعْضِهِم بعضًا الذين يَخْلُفُ بَعْضُهُم بَعْضًا في السُّلْطَة والإِمْرَة على الخَلْقِ.
[ ٢٧١ ]
وَقَوْله تعالى: ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ من كفر فعليه كُفْرُه ولا يَضُرُّ غَيْرَه شيئًا ولا يَضُرُّ اللهَ شيئًا أيضًا، وهذا كقَوْله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦] فكُفْرُ الإِنْسَان على نَفْسِه وليس يَضُرُّ غَيْرَه شيئًا.
أما قَوْله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] فإنَّ هذا من باب تَعْميمِ العُقُوبَةِ التي لا يَخلو مِنها تَقْصِير بَعْضِ أَهْل الإِحْسانِ، أمَّا لو قاموا بما يَجِبُ عليهم فإنَّ العُقُوبَةَ لا تَعُمُّهُم؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١].
ولأنَّ الواقِع شاهِدٌ بذلك؛ فنوحٌ وهودٌ وغيرُهُما من الرُّسُل أنجاهُمُ الله مع أنَّه أخذ أَقْوامَهُم بالعُقُوبَة.
يقول ﷿: ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: وبالُ كُفْرِه ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا﴾؛ كُفْرُ الكافرين عند الله لا يزيدهم إلا مَقْتًا، لا يزيدهم عند الله محُاباةً لهم أو رَحْمَةً بهم؛ لأنَّ الحُجَّة قامت عليهم، فكُلَّما ازدادوا كُفْرًا ازدادوا مَقْتًا.
قال المُفَسِّر ﵀ في ﴿مَقْتًا﴾: [غَضَبًا] والمَعْروف أنَّ المَقْتَ أشَدُّ البُغْضِ؛ قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١٠].
وهذا يدلُّ على أنَّ المَقْتَ هو البُغْضُ، لَكِنَّهم قالوا: إنَّه أَشَدُّ البُغْضِ فتَفْسيرُ المُفَسِّر ﵀ له بالغَضَبِ فيه نَظَرٌ.
[ ٢٧٢ ]
قال: ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾ فبَيَّنَ هنا أنَّ الكفر سببٌ لِشَيْئَيْنِ:
الشَّيْء الأول: نزولُ مَرْتَبَةِ الكافِرِ؛ فإنَّ كُفْرَه لا يزيده عند الله إلا بُغْضًا.
والثاني: العُقوبَةُ التي تحصل له، وذلك بالخسارة؛ إذ يَخْسَرُ نَفْسَه وأَهْله ودنياه وآخرته؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] هو خَسِرَ نَفْسَه؛ لأنَّه لو آمن لَرَبِحَ ونال ثوابَ الآخِرَة بالجَنَّة، وهذا ربح؛ أمَّا الآن فقد أَهْلَكَ نَفْسَه ففاتت عليه، فخَسِرَ أَهْله؛ لأَنَّه لو آمن واتَّبَعَه أَهْله بالإيمان صاروا في الجَنَّة في مَنْزِلَةٍ واحِدَة، وخَسِرَ دنياه لأنَّه لم يَسْتَفِدْ من وجوده في الدُّنْيا شيئًا، بل استفاد الخَسارَةَ والعَمَل السَّيِّئَ، وخسر الآخِرَة أيضًا؛ لأنَّه فاته النَّعِيمُ المُقيمُ في الآخِرَة وصار من أصحاب الجحيم.
فلا أَحَدَ أَعْظَم خَسارَةً من الكافِرِ، والعياذُ بالله، حتى وإن كان في الدُّنْيا مُنَعَّمًا نِعْمَةَ جَسَدٍ فهو في الحَقيقة مُعَذَّبٌ عَذابَ قَلْبٍ؛ لأنَّه ليس عند الكافِرِ انْشراحُ صَدْرٍ كما عند المُسْلِمِ، يقول الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] يعني: فمن لم يكن كذلك فهو على ظُلْمَة.