الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ الإِنْسَانَ لا يَحْمِل آثامَ غَيْره؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
[ ١٥١ ]
وينبني على هذه الفائِدَة: ثُبوتُ كَمالِ عَدْلِ الله ﷿؛ حيث لا يَحْمِل أَحَدٌ وِزْرَ أَحَد.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّه لا يَقْبَل التَّحْميلَ إلا من كان أَهْلًا له؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَازِرَةٌ﴾ لأنَّ غَيْر الوازِرَة لا تَحْمِل إثْمَ نَفْسِها فضلًا عن إِثْم غَيْرها، لكنَّ الوازِرَة تَحْمِل إثْمَ نَفْسِها لا تَحْمِل إثْمَ غَيْرها.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: مَنْعُ الإتِّكاليَّة على الغَيْر؛ لأنَّ الإِنْسَان قد يَعْمَلُ، ويقول: (سَيُهيِّئ الله لي أحَدًا يدعو لي، أو يَسْتَغْفِر لي)، أو ما أشبه ذلك! نقول: هذا لا نَسْتَنِدُ عليه.
فإن قال قائلٌ: ما الجوابُ عن قَوْله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]؟
فالجوابُ: لأنَّ أَثْقالَ غَيْرِهم حَقيقَةٌ ناشِئَةٌ عن أثقالهِم، فصاروا كأنَّهم الذين عَمِلُوها، قال النَّبِيُّ ﵊: "مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِها إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ" (^١).
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: قياسُ العَكْس، فإذا كانت النَّفْسُ لا تَحْمِلُ إثْم غَيْرِها، فهل تُلْزَم بالواجِبِ على غَيْرها أو تقوم بأوامِرِ غَيْرها؟
الجواب: لا، فكما أنَّ الإِنْسَانَ لا يَحْمِلُ إثم غَيْره بالمَعْصِيَة لا يَحْمِل إِثْم غَيْرِهِ في تَرْكِ الواجِبِ، فإذا ترك أبوك أو ابْنُك أو خالُك أو عَمُّك واجبًا فليس عليه إثْمُه، الإثْمُ على الرَّجُلِ نَفْسِه.
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة، رقم (١٠١٧)، من حديث جرير بن عبد الله البجلي - ﵁ -.
[ ١٥٢ ]
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الغَيْرَ لا يَحْمِلُ وِزْرَ الغَيْر وإن دعاه إلى ذلك؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ بخلافه في الدُّنْيا، فإنَّه في الدُّنْيا إذا دعاك أَحدٌ أن تُعينَه على ما حَمَلَ أو أن تَحْمِلَه عنه أَجَبْتَه، لكن في الآخِرَة لا، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ وحتى ولو كان أَقْرَبَ النَّاسِ إليك؛ ولهذا قال: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسةُ: أنَّ رسول الله - ﷺ - نذيرٌ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّه لا يَنْتَفِع بإنذارِهِ إلا من يَخْشى الله ﷿؛ لِقَوْله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ الخَشْيَة التي هي مَحَلُّ الثَّناءِ هي: ما كانت خشيةً في الغَيْبِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ لأنَّ الخَشْيَةَ في الظَّاهِر قد يكون الحامِلُ عليها مُراعاةُ عباد الله، لكن إذا كانَتْ بالغَيْبِ فإن هذا دليلٌ واضِحٌ على أنَّ صاحِبَها مُخْلِصٌ في خَشْيَتِه لله ﷿.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: فَضيلَةُ الصَّلاةِ وأنَّها - أي: الصَّلاة - سَببٌ للإنتفاعِ بإنذارِ النَّبِيٍّ - ﷺ - كالخَشْيَة؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنَّ الإِنْسَان إذا تزكَّى فإنَّ نَفْعَ تَزَكِّيهِ لِنَفْسِه ولا ينالُ الله ﷾ من ذلك شَيْئًا؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾.
ويتفَرَّع عن هذه الفائِدَة: أنَّ أوامِرَ الله ﷿ ليست من أجل مَصْلَحةٍ ينالهُا بامتثالنا، ولكن من أجْلِ رَحْمَتنا ومَصْلَحَتِنا نحن، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الزمر: ٧].
[ ١٥٣ ]
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الحثُّ على تَزْكِيَة النَّفْس؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ وكُلُّ إِنْسَانٍ عاقِلٍ إذا علم أنَّ مصْلَحَة العَمَلِ تعود إليه فإنَّه سوف يَهْتَمُّ به ويقوم به، فإذا عَلِمْتَ أن تَزَكِّيك لِنَفْسك حَرَصْت عليه غايَةَ الحِرْصَ.
والتَّزَكِّي كما أشرنا إليه يَشْمَل:
تَزْكِيَة القَلْب بِتَطْهيرِهِ من جميع الشِّرْك، والشَّكِّ، والضَّغائِن، والأَحْقاد، والبَغْضاء، وما أشبه ذلك.
وتَزْكِيَة الأَفْوَاه من كلِّ قَوْلٍ مُنْكَرٍ بألَّا يَقُول الإِنْسَانُ إلا خيرًا؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﵊: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيصْمُتْ" (^١).
وتَزْكِيَة الأَفْعالِ أيضًا من فِعلِ الفَواحِشِ والأَخْلاقِ السَّيِّئَة، وما إلى ذلك مِمَّا يَجِبُ على الإِنْسَانِ أن يَتَطَهَّر منه.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: كمال هذا الدِّينِ الإِسْلامِيِّ؛ حيث حثَّ على تَزْكِيَة النَّفْس ظاهِرًا وباطنًا؛ ظاهِرًا بالأَقْوالِ والأَفْعالِ، وباطنًا بالقُلوبِ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أنَّ مَرْجِعَ الخلائِقِ إلى الله في أَحْكَامِهِم الكَوْنِيَّة والشَّرْعِيَّة والجزائِيَّة، أمَّا الأَحْكَامُ الكَوْنِيَّةُ فظاهِرٌ أنَّ المَرْجِعَ إلى الله؛ لأنَّه لا أَحَد يَسْتَطِيع أن يَرُدَّ قضاء الله الكَوْنِيَّ، وأمَّا الشّرْعِيَّة فكذلك؛ فإنَّ العِبادَ مَرْبوبونَ مُتَعَبِّدونَ لله ﷿، فكان مُقْتَضَى ذلك أن يَتَمَشَّوا على أَحْكَامه الشَّرْعِيَّةِ، وأمَّا الجَزَائِيَّة فالأَمرُ ظاهِرٌ؛ فإنَّه لا يجازي العاملينَ على عَمَلِهم إلا اللهُ ﷾.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، رقم (٦٠١٨)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب الحث على إكرام الجار والضيف، رقم (٤٧)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ١٥٤ ]
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: مَنْعُ الرُّجوعِ إلى غَيْر الله فيما هو مُخْتَصٌّ بالله؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ فلا يجوز أن نَرْجِعَ إلى النُّظُم الوَضْعِيَّة التي من وَضْع البَشَرِ وعندنا كِتَابُ الله وسُنَّةُ رسوله - ﷺ -.
* * *
[ ١٥٥ ]