الْفَائِدَة الأُولَى: ثُبوتُ رِسالَةِ النَّبِيِّ - ﷺ - على وجْهٍ مُؤَكَّدٍ لا مِرْيَةَ فيه، لِقَوْله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فَضيلَة النَّبِيِّ - ﷺ - لِكَوْنِه رسولَ رَبِّ العالمَينَ، فإنَّ الرِّسالَة مقامٌ عظيمٌ لا ينالهُا إلا من هو أَهْلٌ لها؛ كما قال الله ﵎: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، ويقول ﷿: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] وهم؛ أي: الرُّسُلُ مُفَضَّلون على من سواهم من الخَلْق، ففي الآيَة فَضيلَةٌ ومَنْقَبةٌ لرسول الله - ﷺ -.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بَيَانُ ما يَشْتَمِل عليه دينُ الرَّسُول - ﷺ - من الحَقِّ الذي ضِدُّه الباطِل، والباطِلُ إن كان في الأَخْبارِ فهو الكَذِب، وإن كان في الأَحْكَام فهو الجَوْرِ والظُّلمِ.
[ ١٧٦ ]
وعليه فرِسالَة النَّبِيِّ - ﷺ - مُتَضَمِّنةٌ للحَقِّ في الأَخْبار والأَحْكَام؛ ففيه بيان فَضيلَةِ هذه الشَّريعَةِ الإِسْلامِيَّة التي جاء بها النَّبِيُّ - ﷺ -.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ كل ما كان حَقًّا فإنَّ الشَّريعَة جاءت به سواء نَصَّت عليه بمعناه الخاصِّ أو بالمَعْنى العامِّ، ومن ثَمَّ أَثْبَتَ بعض الفقهاء أو بَعْضُ الأُصُولِيِّين ما يُسَمَّى بالمصَالِح المُرْسَلَة، وجعلوها دليلًا مُسْتَقِلًّا، والصَّوابُ أنَّها ليست دليلًا مُسْتَقِلًّا، لأنَّ هذه المصَالِحَ إن شهد الشَّرْعُ لها فهي من الشَّرعِ ولا حاجة إلى أن نَجْعَلَها دليلًا مُسْتَقِلًّا، وإن لم يَشْهد لها فَلَيْست بمَصْلَحَة، وصاحِبُها الذي زَعَمَها مَصْلَحَةً يُعْتَبَرُ واهمًا؛ فكوننا نُثْبِتُ دليلًا خامسًا نُسَمِّيه المصَالِحَ المُرْسَلَة هذا خطأٌ؛ لأنَّ هذه المَصْلَحَةَ إن شهد لها الشَّرْعُ فهي من الشَّرْعِ دلَّ عليها الكِتَاب والسُّنَّة، كان لم يَشْهَد لها فلَيْسَتْ بمَصْلَحَة، فلا تُعْتَبَر.
ومن ذلك أيضًا زعْمُ بَعْضِهم استحداثَ دليلٍ سادسٍ: وهو اسْتِصحابُ الحال؛ بمَعنى أنَّ الأَمْرَ يبقى على ما كان عليه حتى يَتَبَيَّنَ ارتفاعُه وانتفاؤُهُ، هذا أيضًا ليس بصوابٍ؛ يعني: لا يَصِحُّ أن نَجْعَلَه دليلًا مُسْتَقِلًّا؛ لأنَّه قد دلَّت عليه السُّنَّة.
فقد شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: "لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا" (^١).
إذن: نَبْني على بقاءِ الأَصْلِ واسْتِصْحابِ الحالِ، وحينئذٍ لا نحتاج أن نجعل هذا دليلًا مُسْتَقِلًّا.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الوضوء، باب من لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن، رقم (١٣٧)، ومسلم: كتاب الحيض، باب الدليل على من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث ..، رقم (٣٦١)، من حديث عبد الله بن زيد - ﵁ -.
[ ١٧٧ ]
وإنَّما جَعَلَ بعضُ العُلَماء هذينِ الدَّليلَيْنِ مُسْتَقِلَّينِ؛ لأنَّ الإِنْسَانَ يَنْقَدح في ذِهْنه أنَّ هذا شَيْءٌ مُنْفَصِل عن دَلالَة الكِتَابِ والسُّنَّة، فيَذْهب ويَجْعَلُه دليلًا مُسْتَقِلًّا، وإلا فلو تأمَّلَ لوجد أنَّ ذلك موجودٌ في الكِتَاب والسُّنَّة، وأنَّه لا حاجَةَ إلى أن نُثْبِتَه دليلًا مُسْتَقِلًّا.
ولقد تَجَرَّأ بعض المُتَأَخِّرين على الدَّليلِ الأَوَّلِ وهو المصَالِحُ المُرْسَلَة حتى أدخل فيه ما شَهِد الشَّرْعُ بِبُطْلانِه، ومن ذلك قَوْلُهُم بِإِجازَةِ الرِّبا البَنْكِيِّ، وأنَّه يجوز بناءً على ما تَوَهَّموه من المصَالِح المُرْسَلَة، وقالوا: إن اقْتِصادِيَّاتِ العالَم في العَصْرِ الحاضِرِ لا تَتِمُّ إلا باستعمال هذه الطَّريقَة، فالأَلْفاظُ والأَساليبُ إذا جاءت على غَيْرِ ما جاء في الكِتَابِ والسُّنَّة يحصل بها مَفْسَدَةٌ.
فهنا أدخلوا شيئًا شَهِدَ الشَّرْعُ بِبُطلانِه، وإذا شَهِدَ الشّرْعُ ببُطْلانِه فإننا نَشْهَد أنَّه ليس فيه مَصْلَحَةٌ، وأنَّ المَصْلَحَةَ المَوْهومَة منه يَخْلُفُها مفاسِدُ كثيرةٌ؛ فلهذا نحن نرى ألَّا تُجْعَلَ دليلًا مُسْتَقِلًّا، وإلا فليسَ من الشَّرْعِ وليس فيه مَصْلَحَةٌ، والمصَالِحُ المَوْهومَة فيه إذا كانت مخُالِفَة للشَّرْعِ فلا بُدَّ أن يَخْلُفَها مَفاسِدُ كثيرةٌ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ رِسالَةَ النَّبِيِّ ﵊ تَتَضَمَّنُ من حيث الجزاءُ أَمْرَيْنِ؛ هما: البِشارَة والإِنْذار؛ فالبِشارَة لمن أطاع، والإِنْذار لمن خالَفَ سواءٌ كانت تلك الطَّاعَةُ عامَّة أو في بَعْضِ الأشياء، وكذلك نقول في المُخالَفَة.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الإِنْسَان يَجْتَمِعُ فيه خَصْلتانِ مُتَضادَّتانِ في المَعْنى وإن كانتا مُتَّفِقَتَيْنِ في المُرَاد: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ لأنَّ المُبَشِّر هو الذي يَعِدُ النَّاس بالخَيْر ويَفْتَحُ لهم باب الرَّجاء، والمُنْذِر هو الذي يُخَوِّفُهم من الضَّارِّ، فبينهما من حيث المَعْنى تَقابُلٌ، وهما يَجْتمعانِ في عَيْنٍ واحِدَة.
[ ١٧٨ ]
وهل نَنْتَقِل من هذه الفائِدَة إلى: أنَّ الإِنْسَانَ قد يَجْتَمِع فيه خِصالُ الإيمانِ وخِصالُ الكُفْر؟
الجواب: إذا رَأَيْتَ جَيْشًا مُقْبلًا على البلد فأنا أُنْذِرُهم لا أُبَشِّرُهم، لكن إذا رأيت الجيشَ قد انْصَرَفَ فأنا أُبَشِّرُهُم.
وعلى كُلِّ حالٍ: المعلومُ من مذهب السُّنَّة والجماعَةِ - وهو الحَقُّ - أنَّ الإِنْسَان قد تَجْتَمِعُ فيه خِصالُ الإيمان وخِصالُ الكفر، فيكون مُؤْمِنًا من وَجْهٍ وكافِرًا من وَجْهٍ.
كقَوْله - ﷺ -: "اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِم كُفْرٌ؛ الطَّعْنُ فِي النَّسَب، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ" (^١)، وقال النَّبِيُّ ﵊: "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ" (^٢) مع أنَّ قتاله لا يُخْرِجُه من الإيمان؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠].
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ مآلَ النَّاسِ إمَّا إلى جَنَّة وإمَّا إلى نارٍ، وليس ثَمَّةَ دارٌ ثالِثَة؛ لأنَّ البِشارَة بالجَنَّة والإنذارَ بالنَّار، وليس هناك دارٌ ثالثة يصل النَّاسُ إليها.
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب، رقم (٦٧)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله، رقم (٤٨)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان قول النبي - ﷺ -: "سباب المسلم فسوق"، رقم (٦٤)، من حديث عبد الله ابن مسعود - ﵁ -.
[ ١٧٩ ]
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: التَّرْغيبُ في طاعة الرَّسُول ﵊؛ لِقَوْله تعالى: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ والتَّخْويفُ من مُخالَفَتِه؛ لِقَوْله تعالى: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: لُطْفُ الله تعالى بعباده بإرسالِ الرُّسُلِ إلى جميع الخَلْق، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ وقد بيَّنَ الله ﷾ ذلك في قَوْله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]؛ يعني: إلا لِنَرْحَمَ بك العالمَينَ، وليس الرَّسُولُ نَفْسُه هو الرَّحْمَةَ، ولَكِنَّه أُرْسِلَ ليَرْحَمَ اللهُ الخَلْقَ بِرِسالَتِه.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: بُطْلانُ الإحْتِجاجِ بالقَدَرِ على مَعْصِيَةِ الله؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ولو كان الإحْتِجاجُ بالقَدَرِ على المعاصي والمُخالَفاتِ لو كان ثابتًا لم يَرْتَفِعْ بإرسالِ الرُّسُلِ؛ لأنَّ القَدَرَ لا يَرْتَفِع بإرسالِ الرُّسُلِ، فالرُّسُلُ أَرْسَلَهُم الله ﷾ إقامةً للحُجَّة على الخَلْق ورَحْمَةً بهم أيضًا، لهذا ولهذا.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: بَيَانُ أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - ليس ببِدْعٍ من الرُّسُلِ حتى تُنْكَرَ رِسالَتُه، ويقال: كيف جاء هذا الرَّجُلُ برِسالَةٍ من عند الله؟
قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ويَشْهَدُ لهذا قَوْلُه تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩].
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: قُصورُ العُقُولِ عن مَعْرِفَة ما يَجِبُ لله تعالى؛ لأنَّها لو اسْتَقَلَّت بذلك ما احتاجت إلى إرسالِ الرُّسُل.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: بُطْلانُ ما ذهب إليه المُتَكَلِّمونَ مِن أَهْلِ البِدَع الذين بَنَوْا عَقيدَتَهم على ما يَقْتضيهِ العَقْل، وقالوا: ما اقتضى العَقْلُ إثباتَه لله أَثْبَتْناه سواء كان مَذْكورًا في الكِتَاب والسُّنَّة أم لم يُذْكَر، وما نفاه العَقْلُ وَجَبَ علينا نَفْيُه وإن ذُكِرَ في
[ ١٨٠ ]
الكِتَاب والسُّنَّة، وما لم يدلَّ العَقْلُ على نَفْيِه وإثباتِهِ فإننا نَتَوَقَّفُ فيه، وأَكْثَرُهُم قالوا: نَنْفيهِ؛ لأنَّه لا بُدَّ من دَلالَةِ العَقْلِ على إثباته، فإذا لم يَدُلُّ على إِثْباتِهِ وَجَبَ نَفْيُه لِعَدَمِ وُجودِ الدَّليلِ.
وهذا يؤخذ من قَوْلِه تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ وَوَجْهُ ذلك أنَّه لو كانت العُقُولُ هي المَرْجِعَ ما احْتِيجَ إلى إِرْسالِ الرُّسُلِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أنَّ الأمر كُلَّه لله، ليس لأَحَدٍ مُشارَكَتُه فيه حتى أعظم النَّاس مَنْزِلَةً لا يشارِكُ الله تعالى فيما يَخْتَصُّ به؛ لِقَوْله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ ومَعْلومٌ أنَّ مقامَ المُرْسِل أعلى من مقامِ المُرْسَل.
* * *
[ ١٨١ ]