الْفَائِدَة الأُولَى: فَضْلُ تِلاوَةِ كِتَاب الله ﷿؛ لِقَوْله تعالى: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الرجاء يَنْبَغي أن يكون في مَحَلِّه، بحيث يكون الإِنْسَانُ قد عَمِلَ عملًا يرجو الثَّوابَ عليه، أمَّا الرَّجاءُ بدون عمل فهو من التَّمَنِّي الذي لا ينفع العبد، وفي الحديث: "الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ
[ ٢٠٧ ]
نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ الأَمَانِيَّ" (^١) فلا رجاء إلا بعمل.
وفي الحديث الصَّحِيح أيضًا: "لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ باللهِ" (^٢)، وفي الحديث الصَّحِيح: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي" (^٣).
وكل هذه النُّصوص وما أشبهها إنَّما تكون فيمن يَعْمَل ما يُمْكِن أن يرجو به ذلك وأن يُحْسِنَ به الظَّنَّ.
فلو أنَّ أَحَدًا أساء واسْتَكْبَر عن عِبَادَة الله، وقال: (أنا أُحْسِنُ الظَّنَّ بالله) لكان هذا ظنَّ وَهْمٍ، لا بُدَّ من شَيْء يَبْنِي عليه هذا الظَّنَّ، لو قال: (أنا أرجو رَحْمَةَ الله).
قلنا: هذا وَهْمٌ حتى تَعْمَلَ؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة (البقرة): ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨] هؤلاء هم الذين يرجون، وهنا أيضًا مِثْلها.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الثَّواب في الآخِرَة لا يَنْقَطِع؛ لِقَوْله تعالى: ﴿لَنْ تَبُورَ﴾ بل ربَّما نقول: إن هذا أَعَمُّ؛ بحيث يُثاب الإِنْسَان في الدُّنْيا ثوابًا مُسْتَمِرًّا إلى الآخِرَة؛ لأنَّ الحَسَناتِ قد يرى الإِنْسَانُ ثوابَها في الدُّنْيا، وثوابُها في الدُّنْيا يَسْتَمِرُّ إلى الثَّواب في الآخِرَة؛ كما قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (٤/ ١٢٤)، والترمذي: كتاب صفة القيامة، رقم (٢٤٥٩)، وابن ماجه: كتاب الزهد، باب ذكر الموت، رقم (٤٢٦٠)، من حديث شداد بن أوس - ﵁ -.
(٢) أخرجه مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت، رقم (٢٨٧٧)، من حديث جابر - ﵁ -.
(٣) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، رقم (٧٤٠٥)، ومسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والإستغفار، باب الحث على ذكر الله تعالى، رقم (٢٦٧٥)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٢٠٨ ]
طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [النحل: ٣١ - ٣٢].
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فضل إقامة الصَّلاةِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ وهو شاملٌ لفَرْض الصَّلاة ونَفْلها، فما تقام به الفَريضَةُ تقام به النَّافِلَة، وما تقام به النافِلَة تُقامُ به الفَريضَة إلا بِدَليلٍ يدلُّ على الفَرْقِ بينهما.
وقد جَمَعْنا الفُروقَ بين فرض الصَّلاة ونَفْلها فبَلَغَتْ ثمانيةً وعِشرينَ فَرْقًا؛ منها ما هو واضِحٌ دلَّت عليه السُّنَّة، ومنها ما هو دون ذلك.
المُهِمُّ: أنَّ الأصل أنَّ إقامَةَ الفَريضَةِ إقامَةٌ للنَّافِلَة، وأن إقامة النَّافلة إقامة للفريضَة، هذا الأصل، فما ثبت في إحداهما ثبت في الثاني إلا بِدَليلٍ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: فَضيلَة الإنفاقِ؛ لأنَّه أَعْقَبَ الصَّلاة به فقال: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا﴾ وهو يدلُّ على أنَّ هذا الإنفاقَ يَشْمَل الزَّكاة وغير الزكاة؛ لأنَّ الله تعالى يَقْرِن دائمًا في الذِّكْر بين الصَّلاة والزَّكاة.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ المُنْفِقَ ليس مانًّا على الله ﷿؛ لأنَّه إنَّما يُنْفِقُ مِمَّا رزقه الله، فمهما بَلَغَت بك نفْسُك من الإعجاب والكِبْرياء على إنفاقِكَ فاذْكُر قَوْله تعالى: ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ كُلُّ شَيْءٍ تُنْفِقُه فليس لك فيه مِنَّة على الله ﷿، بل لله المِنَّة عليك به في إيجادِهِ وفي إنفاقِهِ؛ ففي إيجاده؛ لأنَّه لولا أنَّ الله ﷿ رزقك ما حصل لك، وفي إنفاقه؛ لأنَّ كثيرًا من النَّاس يَبْخَلون بما آتاهم الله من فَضْلِه، قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠] فمن نِعْمَة الله عليك أن يَمُنَّ عليك بالإنفاق بعد أنْ مَنَّ عليك بالرِّزْقِ والعطاء.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ الإنفاقَ لا نقول: إنَّ الإسرارَ فيه أَفْضَل، ولا إنَّ الإعلانَ
[ ٢٠٩ ]
فيه أفضل، بل هو بحَسَبِ الحال، فتارةً يكون الإنفاقُ سرًّا أَفْضَلَ، وتارة يكون الإنفاقُ عَلَنًا أَفْضَلَ؛ حَسَب ما تَقْتَضيه الحالُ، بخلاف الصَّدَقَة فالأَصْلُ فيها السِّرُّ، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]؛ لأنَّ الصَّدَقَة فيها نَوْعُ مِنَّةٍ على المُعْطَى، فربَّما يَنْكَسِرُ أمام النَّاسِ إذا أُعْلِنَت الصَّدَقَةُ له، فصار إخفاؤها أَفْضَل، وفي الحديث الصَّحِيح في الذين يُظِلُّهُم الله في ظِلِّه: "وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا" (^١).
أمَّا الأشياء العامَّة والمُعْلَنَة كما لو أردنا أن نُنْفِقَ في مشروعٍ خَيْرِيٍّ عامٍّ لا يظهر فيه المِنَّة على شخصٍ معين فهنا قد يكون الإعلانُ فيه أَفْضَل، وكذلك لو أنَّ شَخْصًا جاء إلينا، وقال: (أرجو أن تَجْمَعوا لي من النَّاس) فهنا قد يكون الإعلانُ فيه أَفْضَل من أجل أن يَقْتَدِيَ بك غَيْرك، وهذا الرَّجُل الذي طَلَبَ منَّا أن نجمع له لا يُهِمُّه أن يعلم النَّاس بأنَّه يُتَصَدَّق عليه أو لا يُتَصَدَّق.
فالمُهِمُّ أن نقول: إنَّ السِّرَّ والإعلان في الإنفاق كُلُّه خَيْرٌ، لكنَّ الصَّدَقَة الأَفْضَل فيها السِّرُّ لِمَا في إظهارها من كَسْرِ قَلْبِ المعطَى، وأمَّا الأشياء العامَّة أو الصَّدَقَة على شَخْص مُعَيَّن هو الذي طلب منا أن نَجْمَع له مثلًا، فهذا قد يكون الإعلانُ فيه أفْضَلَ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: التَّنْبيهُ على الإخلاص؛ لِقَوْله ﷾: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً﴾ لا يريدون تجارةَّ تَبور وتَهْلِك؛ يعني: لا يريدون مثلًا سُمْعَة؛ لأنَّ السُّمْعَة والجاه بين النَّاس لا شَكَّ أنَّه كَسْبٌ للمَرْءِ، ويُعْتَبر تجارة، لكن هذه تِجارَةٌ هالِكَةٌ تزول بزوال
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، رقم (٦٢٩)، ومسلم: كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة، رقم (١٠٣١)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٢١٠ ]
الشَّخْص، أو تزول بزوالِ ما اشْتُهِرَ به؛ لأنَّ من حُمِدَ على شَيْء ذُمَّ على فَقْدِه، لكن الذي يرجو ثوابَ الله ويُحْسِنُ النِّيَّة والقَصْد هذا هو الذي حصل على تجارة لن تبور.
ففيه: التَّنْبيهُ على الإخلاصِ، وأنَّه يَنْبَغي على الإِنْسَانِ أن يكون مُخْلِصًا لله تعالى في عَمَلِه اللَّازِمِ أو القاصِرِ والمُتَعَدِّي؛ فالقاصر كالصَّلاة، والمتعدي كالصَّدَقَةِ.
* * *
[ ٢١١ ]