الْفَائِدَة الأُولَى: إثباتُ الشَّيْطانِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾.
[ ٥٣ ]
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثْباتُ عَدَاوَته المُؤَكَّدَة للإِنْسَان؛ لِقَوْله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَهَمِّيَّة إيمانِنا بذلك؛ أي عِلْمنا بأنَّه عَدُوٌّ، لكنْ ما وَجْهُ ذلك؟
الجوابُ: تَقَدَّمَ في (البَلاغَة): أنَّ الخِطابَ الخَبَرِيَّ هو الخِطابُ الذي يُلْقَى إلى المُخاطَبِ بدون تَوْكيدٍ، وأنَّه لا يُؤَكَّدُ في مقامِ الخِطابِ الخَبَرِيِّ إلا لِسَبَبٍ؛ الخطابُ الخَبَرِيُّ إذا أُلْقِيَ إلى إِنْسَانٍ خالي الذِّهْنِ فإنَّه لا يُؤَكَّد؛ لأنَّه لا داعِيَ للتَّوْكيدِ، فالتَّوْكيدُ ليس فيه إلا زيادَةُ كَلِماتٍ لا فائِدَةَ منها، لكِنْ إذا كان الأَمْرُ ذا أَهَمِّيَّة فإنَّه يؤَكَّدُ ولو كان لإِنْسَانٍ خالي الذِّهْن، فإذا كان عالمًا بالأَمْرِ صار أيضًا تَوْكيدُهُ أَبْعَدَ، ولا نَحْتاجُ إلى التَّوْكيدِ على كُلِّ حالٍ.
فالآن نقول: كَوْنُ اللهِ أَكَّدَ هذا الكَلَامَ، والإِنْسَانُ خالي الذِّهْن أو عالِمٌ به من قَبْلُ يدُلُّ على أَهَمِّيَّة الإيمانِ بهذا الأَمْرِ الذي عليه الشَّيْطانُ، وهو أنَّه هنا عَدُوٌّ.
وقد قال عُلَماءُ البلاغَةِ: إنَّ الخَبَر إذا أُلقِيَ إلى عالِمٍ به مُؤَكَّدًا كان ذلك من أجل أنَّ هذا المُخاطَبَ نُزِّل مَنْزِلَةَ المُنْكِر؛ لِكَوْنِه لم يَقُمْ بما يَقْتَضيه هذا الخِطاب، ومثلوا لذلك بِقَوْله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥] فكُلٌّ يَعْلَمُ أنَّه سيموت، كُلُّنا نَعْلَمُ أنَّنا مَيِّتونَ، لكِنْ لماذا أَكَّدَ لنا المَوْتَ ونحن نَعْلَمُ به ونتأَكَّدُ منه؟
الجوابُ: لأنَّ فِعْلَنا فِعْلُ المُنكِرِ للمَوْت؛ حيث إننا لا نُصَدِّقُ ولا نَعْمَلُ لما بعد الموت.
إذن: نأخذ من هذه الآيَةِ: أَهَمِّيَّةَ إيمانِنا بأنَّ الشَّيْطانَ لنا عَدُوٌّ؛ لأنَّه أكَّدَ الخَبَر مع أنَّه مُلْقًى إلى إِنْسَانٍ خالي الذِّهْنِ لا يدري بأنَّ الشَّيْطانَ عَدُوٌّ، أو إلى إِنْسَانٍ عالِمٍ به لكِنَّه نُزِّلَ مَنْزِلَة المُنْكِر؛ لِكَوْنِه لم يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ عَدُوًّا له.
[ ٥٤ ]
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: وُجُوبُ البُعْدِ عمَّا يَأْمُرُ به الشَّيْطانُ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: ذِكْرُ الأَوْصافِ المَذْمومَةِ إذا كان المَقْصودُ بها نُصْحَ المُخاطَبِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ﴾ فلو رَأَيْتَ شَخْصًا مُغْتَرًّا بآخَرَ، يَحْسَبُه صَديقَه، وهذا الشَّخْصُ الذي اغْتَرَّ به صاحِبُه عَدُوٌّ له، نعلم أنَّه يريدُ أن يُوقِعَ به كلَّ سُوءٍ، فإنَّه يَجِبُ علينا أن نَنْصَحَهُ عنه، ونَذْكُر معايبَ هذا الشَّخْص حتى لا يَغْتَرَّ به، فنقول: إنَّكَ تُصاحِبُ فلانًا وهو عَدُوٌّ لك، حتى وإن كانت عَداوَتُهُ لِكَوْنِه يَهْديه إلى صِراطِ الجحيمِ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: بَيانُ رَحْمَةِ الله تعالى بعبادِهِ، لأنَّ العِلْمَ بِعَداوَةِ الشَّيْطانِ غَيْرُ مُدرَكٍ لنا ولَكِنَّ الله تعالى هو الذي أَخْبَرَنا به، ثم حثَّنا بل أَمَرَنا بِمُخالَفَتِه؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾.
مَسْأَلَة: لكِنْ هل هذه الآيَةُ فيها دليلٌ على أنَّ مِن النَّاسِ من يَدْخُلُ النَّار ولا يُخَلَّدُ فيها فلا يكون من أصحابِها؟
نقول: يُمْكِنُ، فإنَّ الشَّيْطانَ يُريدُ من النَّاس أن يَبْلُغوا الذِّرْوَة في المُخالَفَة، وإذا بَلَغوا الذِّرْوَة في المُخالَفَة وكَفَروا حينئذٍ يكونون من أصحابِ النَّارِ الذين يُخَلَّدون فيها، أمَّا المَعاصي التي دون ذلك فإنَّ أصحابَها وإن دخلوا النَّار - كما دَلَّتْ عليه النُّصُوص - فلا يكونون من أصحابِها.
* * *
[ ٥٥ ]