الْفَائِدَة الأُولَى: في هذا الحَثُّ على طلب العِزَّةِ من الله ﷿؛ لأنَّه ليس المَعْنى أنَّ من أرادَ العِزَّة فَلْيَطْلُبْها من الله، فليس المُرَادُ العَرْضَ فقط؛ إذ كُلُّ أحدٍ يريد العِزَّةَ، لكن إذا أرَدْتَ العِزَّةَ فمِمَّنْ تَطْلُبُها؟ من الله، ففيه إثباتُ أنَّ العِزَّةَ تُطْلَب من الله ﷿.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّه لا عِزَّةَ بدون الله، وذلك بالقيامِ بطاعَةِ الله، والإسْتِعانَة به، والإعتمادِ عليه، فإذا اعْتَزَّ الإِنْسَانُ بِكَثْرَتِه فإنَّه يُهْزَم، كما قال الله تعالى: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التَّوْبَة: ٢٥]، ولو اعْتَزَّ الإِنْسَانُ بِقُوَّته المادِّيَّة كقُوَّةِ السِّلاحِ مثلًا فإنَّه يُهْزَم،
[ ٩١ ]
وإذا استعانَ بالله فإنَّه لا يُهْزَم، اللَّهُمَّ إلا لحِكْمَةٍ تكون مُقْتَرِنَةً بتلك القَضِيَّةِ المُعَيَّنَة فقد يكون.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إِثْباتُ العِزَّةِ لله ﷾؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ العِزَّة لها كلٌّ وبَعْضٌ، وهذا مَأْخوذٌ من قَوْله تعالى: ﴿جَمِيعًا﴾ مِمَّا يَدُلُّ على أنَّ هناك كُلًّا وبَعْضًا، وذلك أنَّ العُلَماءَ ﵏ قَسَّمُوا العِزَّة التي اتَّصَف الله بها إلى ثلاثة أقْسامٍ: عِزَّة الإمْتِناعِ، وعِزَّة القَدْرِ، وعِزَّة القَهْر.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إِثْباتُ عُلُوِّ الله، وهذا مَأْخوذٌ من قَوْلِه تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ﴾ لأنَّ الصُّعُودَ هو العُلُوُّ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الكَلِمَ غَيْرُ الطَّيِّبِ لا يَصْعَدُ إلى الله، لِقَوْله تعالى: ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ويؤيِّدُ هذا قَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ -: "إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا" (^١).
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: الإشارَةُ إلى انْقِسامِ الكَلَام؛ لِقَوْله تعالى: ﴿الطَّيِّبُ﴾ فإن هذا الوَصْفَ إخراجٌ لما سِواهُ، وقد تَقَدَّم: أنَّ الذي يقابِلُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ نوعان من الكَلَام: الخَبيثُ، وما ليس بطَيِّبٍ ولا خَبيثٍ.
أمَّا الخبيثُ فمَرْدودٌ بكُلِّ حالٍ؛ لأنَّه خبيثٌ لِذَاتِهِ، وأمَّا ما ليس بطَيِّبٍ ولا خَبيثٍ، فقلنا: إن هذا القِسْمَ من الكَلَام قد يكون طيِّبًا لِغَيْره، وخبيثًا لغيره، وسالِمًا من الوَصْفين، فإذا كان طَيِّبًا لِغَيْره فإنَّه يَصْعَدُ إلى أعلى؛ لعموم قَوْله تعالى: ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾.
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب، رقم (١٠١٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٩٢ ]
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ؛ أنَّ الله ﷿ لا يَرْفَعُ من الأعمال إلا ما كان صَالِحًا؛ لِقَوْله ﷾: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ والعَمَل الصَّالِح ما اشْتَمَلَ على وصفين: الإِخْلاص لله، والمُتابَعَة لِشَرْعِه، فإن فُقِدَ الإِخْلاص فليس بعَمَلٍ صَالِحٍ؛ لأنَّه شِرْك، وإن فُقِدَت المُتابَعَة فليس بعملٍ صَالِح؛ لأنَّه بِدْعَة.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ الأَعْمالَ السَّيِّئَةَ مَكْرٌ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ هذا إذا أَخَذْناها على سبيل العُمومِ، أمَّا إذا قلنا: إنَّ السَّيِّئاتِ عامٌّ أريدَ به الخاصُّ فالمَكْرُ الذي حصل من أَذِيَّة قُرَيْشٍ للرَّسولِ ﵊ فإنَّه يكون خاصًّا، لكِنَّ الأَصْلَ في الكَلَام أن يكون مُرادًا به العُمُومُ وأن يكون باقيًا على عُمُومه حتى يَرِدَ دليلٌ على أنَّه أريد به الخُصُوص أو على أنَّه مُخصَّص.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: الوَعيدُ الشَّديدُ على هؤلاء الذين يَمْكُرون السَّيِّئاتِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ مَكْرَ هَؤلاءِ هالِكٌ زائِلٌ لا فائِدَة فيه؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ حتى أَعْمالهُم لا تَنْفَعُهم، قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
هذه هي الفوائِدُ الظَّاهِرَة من هذه الآيَةِ الكَريمَة، وربَّما عند التأمُّلِ يَجِدُ الإِنْسَان أَكْثَرَ؛ لأنَّ كَلَامَ الله ﷾ لا يُحاطُ به، ولكِنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفونَ في الفَهْمِ.
* * *
[ ٩٣ ]