الْفَائِدَة الأُولَى: كمالُ قُدْرَةِ الله ﷿؛ حيث بيَّنَ أَنَّه قادِرٌ على أن يُذْهِبَنا، ثم يأتِيَ بِخَلْقٍ جديدٍ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إِثْباتُ المَشيئةِ لله؛ لِقَوْله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: التَّحْذيرُ من مُخالَفَتِه تعالى؛ لأنَّ المقصودَ بهذا التَّهديدُ وتَحْذيرُنا من مخُالَفَته.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الخَلْق حادِثٌ، فليس أزليًّا؛ لِقَوْله ﷾: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ هذه فيها دلالة لِقَوْله تعالى: ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وفيها أيضًا دلالَة.
أمَّا الأُولى فوَجْهُ الدَّلالَة أنَّ ما كان قابِلًا للعَدَمِ فهو قابلٌ للحُدوثِ.
أمَّا الثَّانِيَة فلِقَوْله تعالى: ﴿بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ هل نَسْتَفيد منها ثُبوتَ حُدُوثِ أَفْعالِ الله باعتبار المَفْعولاتِ؟
الجواب: نعم؛ لأنَّ كُلَّ مَخْلوقٍ كائنٌ للخَلْقِ، فإذا كان المَخْلوقُ جديدًا لَزِمَ أن يكون الخَلْقُ أيضًا جديدًا؛ فمثلًا: خَلْقُ الله للجَنينِ في بَطْنِ أمِّه حادِثٌ، فضرورةٌ أنَّه مَخْلوقٌ حادِثٌ، أمَّا جِنْسُ فِعْلِ الله فهو أَزَلِيٌّ؛ فإنَّ الله تعالى لم يَزَلْ فَعَّالًا، فهناك فَرْقٌ بين وصف الله تعالى بالفِعْلِ على الإطلاق وبينَ وَصْفِ الله تعالى بالفِعْلِ مقرونًا بالمَفْعولِ، فالفِعْلُ المَقْرونُ بالمَفْعولِ لا شَكَّ أنَّه حادِثٌ، والفِعْلُ المُطْلَقُ أنَّ الله لم يَزَلْ فعَّالًا لمِا يريدُ هذا أزليٌّ.
وهل نستفيد من ذلك جوازُ تَهْديدِ الإِنْسَان بالأَشْياءِ المَحْسوسَة لِيَسْتَقيمَ على أَمْرِ الله؟
[ ١٤٠ ]
الجواب: نعم؛ لأنَّ هذا تهديدٌ من الله ﷿ لنَسْتقيمَ على أَمْرِه.
إذن نقول: إنَّ العُقوباتِ الحِسِّيَّةَ إن حَمَلَتْ على الإستقامَةِ فإنَّها مَحْمودةٌ؛ لأنَّها من فِعْل الله؛ ولهذا أَوْجَبَ الله علينا أن نَحُدَّ الزَّانِيَ، ونَقْطَعَ السَّارِقَ حتى يرتَدِع، فلا يقول قائِلٌ: إنَّك إذا فَعَلْتَ ذلك فقد حَمَلْت النَّاس على أن يتركوا الأَمْرَ لا لله؛ لأن بعضَ النَّاس يقول: كيف هذا، كيف تقع هذه الحدود؟ معناه أنَّ الإِنْسَان لا يترك الزِّنا أو السَّرِقة إلا خوفًا من العُقُوبَةِ، ومَعْنى ذلك أَنَّكَ تَحْمِل النَّاسَ على أن يَدَعُوا المحارِمَ لا خوفًا من الله ولكن خَوْفًا من العقوبة.
فنقول: إن هذا فيه إِصْلاحٌ، ووسيلَةُ الإصلاحِ لا يُشْتَرَطُ فيها من نِيَّة الذي يحاوَل إصلاحه.
وهل يُسْتَفادُ منها جوازُ إعطاءِ الجائِزَة تَشْجيعًا لمن عَمِلَ صَالحًا، من باب قياسِ العَكْسِ؟
الجواب: المُكافَأَة على العَمَل ثابِتَةٌ في السُّنَّة، وفي غَيْرِ السُّنَّة أيضًا، فالرَّسُولُ - ﷺ - قال: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ" (^١) أي: في الجهادِ في سبيل الله، و(سَلَبُهُ)؛ أي: ما عليه من الثِّيابِ ونَحْوها، وهذه مُكافَأَة.
والعُلَماء ﵏ قالوا: يجوز أن يَجْعَل لمن دلَّهُم على حِصْنٍ وما أشبه ذلك، من الأُمُور التي فيها مَصْلَحة للمُجاهِدينَ، يجوز أن يَجْعَلَ له جُعْلًا، وكذلك للإمامِ أن يُنَفِّلَ السَّرِيَّة في الرَّجْعة وفي البِداءَة، كلُّ هذه من باب المُكافَأَةِ على فِعْلِ الخَيْرِ، فهذا
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب فرض الخمس، باب من لم يخمس الأسلاب، رقم (٣١٤٢)، ومسلم: كتاب الجهاد والسير، باب استحقاق القاتل سلب القتيل، رقم (١٧٥١)، من حديث أبي قتادة - ﵁ -.
[ ١٤١ ]
ثابِتٌ، لكن هل نأخُذُ جواز ذلك من الآيَة؟
نقول: يُمْكِن أن نَأْخُذَه من الآيَة على سبيل قياسِ العَكْسِ.
فإن قُلْتَ: أثبِتْ لنا قياسَ العَكْسِ؛ لأنَّنا في شَكٍّ من إثبات القياسِ أوَّلًا؟
قلنا: عندنا دليلٌ على إثباتِ العَكْسِ، قال النَّبِيُّ ﵊: "وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ" (^١)؛ يعني أنَّ الرَّجُلَ إذا أتى أَهْلَه فذلك صَدَقَةٌ، الصَّحابَةُ - ﵃ - قالوا: يَا رَسُولَ الله أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ، أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الحَلَال كَانَ لَهُ أَجْرٌ".
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: فيها دليلٌ على كمال القُدْرَةِ لله ﷿؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: صِحَّة تَقْسيمِ أَهْلِ السُّنَّة لصِفاتِ الله إلى: ثُبُوتِيَّة، وسَلْبِيَّة، وقد شك بعض النَّاسِ في كَلِمَة (سَلْبِيَّة) وقال: يَنْبَغي أن نقول: (مَنْفِيَّة).
* * *
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، رقم (١٠٠٦)، من حديث أبي ذر الغفاري - ﵁ -.
[ ١٤٢ ]